عندما كنت طالبًا في كلية الملك فهد الأمنية، وخلال مشاركتي في مهمة الحج، لفت نظري ضابط برتبة نقيب؛ كان صِغَر سنه مقارنة برتبته مدعاةً للتأمل. تابعته عن قرب بدافع الإعجاب لا الفضول، حتى تكشّفت لي ملامح مهنيته العالية واحترافيته الدقيقة في العمل المروري آنذاك.
كان أسعد عبد الكريم نموذجًا للضابط الذي يسبق رتبته بعقله، ويتقدم على عمره بخبرته. تنقّل بعد ذلك في عدد من المواقع القيادية، فعمل مديرًا لمرور منطقة عسير ثم جدة وغيرها، قبل أن يُعيَّن مديرًا للجوازات، وهناك بدأت بصمته الإصلاحية تتجلى بوضوح؛ إذ نقل العمل من ثقافة «سِرّ وراجعنا بكرة» إلى ثقافة تسريع الإجراءات وتخفيف العبء عن المراجعين، محوِّلًا الجوازات من بيئة بيروقراطية مثقلة إلى منظومة خدمة حديثة تحترم وقت الإنسان وكرامته.
ولم تكن المهمة مجرد إدارة جهاز، بل إعادة صياغة فلسفة العمل؛ فوُحِّدت إجراءات الجوازات في تطبيق واحد، وجُمعت الخدمات في نافذة رقمية موحّدة، لتتحول الجوازات من طوابير ورقية إلى خدمات ذكية.
ثم تولّى منصب مدير الأمن العام، فركّز على تعزيز المسؤولية داخل أجهزة الأمن العام وتخصيص الواجبات، وبدأ بإعادة دعم الأجهزة الميدانية وتركيز إداراتها في قيادات مباشرة وإدارات إشرافية عامة ترتبط به، إيمانًا منه بأهمية العمل الميداني بوصفه عصب المحافظة على الأمن. كما أولى التدريب عناية خاصة، فعمل على تطويره والارتقاء به، ورفع مستوى الجاهزية وجودة الخدمات الأمنية في مواسم الحج والعمرة والزيارة، حيث تبلغ المسؤولية ذروتها.
وترجّل بكل شرف، تاركًا خلفه مشاريع أمنية كبرى لم تتوقف برحيله، بل استمر من جاء بعده من القادة في استكمالها وتطويرها، في دليل صريح على أن القائد الحقيقي هو من يبني مؤسسات لا تعتمد على اسمه بل على رؤيته.
هكذا يُصنع القادة بهدوء، وبعملٍ تراكمي، وبإيمانٍ راسخ بأن الوطن لا يُبنى بالشعارات، بل بالكفاءة والنزاهة والجرأة. وقد كان لي شرف العمل تحت قيادة هذا القائد الفذ، فتعلمت منه الجرأة في اتخاذ القرار، والإقدام في التنفيذ، وأن القائد الحقيقي لا يتردد حين تتضح له الرؤية، ولا يتراجع حين يكون الحق طريقه.
وقد سرّني كثيرًا تكريمه من قبل جمعية «قدوات عطاء ووفاء»، ذلك التكريم الذي جاء وفاءً لمسيرة حافلة بالعطاء والإنجاز، وتمنيت لو كنت حاضرًا في تلك اللحظة لأشهد تكريم الرجل المخلص الذي ترك أثرًا لا يزول.
يستحق معالي الفريق كل التقدير…
وشكرًا معالي الفريق.
الرياض