المقالات

استمع إليّ… ولا تُخلص في عملك أبدًا!

في بداية خدمتي الوظيفية التقيت برجل يكبرني وظيفيًا بأربعة أعوام، فقال لي: «أنصحك نصيحة لا أريد منها جزاءً ولا شكورًا»، فقلت: نعم، ومن يُهدى النصيحة فيأبى؟ فقال: «إذًا استمع إليّ، ولا تُخلص في عملك أبدًا؛ فلا يوجد من يقدّر إخلاصك، بل قد يُفهم إخلاصك على أنك إنسان طموح تسعى إلى اعتلاء الكراسي العليا، وهي معدودة كما تعلم، وستفتح على نفسك حربًا أنت في غنى عنها».

فأخبرته أنني – بفضل الله – عملت قبل أن يتحفني بنصيحته في ثلاثة أماكن مختلفة، ولم أشاهد شيئًا مما قال. نعم، كانت وظائف مؤقتة خلال الإجازات الصيفية، لكنني استفدت منها كثيرًا، على الأقل في ألا أُخدع بمثل هذا «الناصح الأمين». وكما ظهر لي من الحوار معه، فإنني أختلف معه في المقدمات التي تستدعي – دون شك – اختلافًا في النتائج؛ فأختلف معه في تعريف الإخلاص، وفي تعريف التقدير أيضًا.

فالإخلاص في العمل – وهو ما يسمى بالولاء الوظيفي – يجب ألا يستثني أعمال القلوب ولا الجوارح، بل إنهما معًا يسخّران لذلك العمل وتلك الوظيفة دون ترقّب لجائزة فورية أو مصلحة مباشرة. فكما يعمل الموظف صادقًا متفانيًا لمصلحة المنظومة التي يعمل فيها، فإنه يعتز بها ويغلب مصلحتها على أي مصلحة أخرى. أما تقدير الرؤساء، فليُعلم أنه ليس مما يُباع ويُشترى، وإن لم يُمنح كفاءةً واستحقاقًا فهو مؤشر فساد لا أكثر.

إن مكانة الإنسان المستحقة هي ما يمتلكه من قيم تحقق وجوده، وتزن علاقته بمن حوله وما حوله. والمقصود بالقيم تلك الأخلاق الراسخة في عقيدته، المتمثلة في سلوكه وتعاملاته. ومن القيم التي تتفق عليها المجتمعات قيمة الولاء، وهو في اللغة من «الموالاة» التي تعني المحبة والنصرة والقرب، وقد تشكّلت دلاليًا في قوالب عدة مكوِّنةً معاني متنوعة، يعتمد بيانها على السياق الذي وردت فيه. والمقصود هنا معناها الأبرز: القرب والمحبة والنصرة الناتجة عن الإيمان باتحاد الهدف والمصلحة والوجهة.

وينعكس هذا المعنى بكل تفصيلاته على الولاء الوظيفي، حيث يعزز لدى الموظف المحبة والتفاني في خدمة المنظومة وتحقيق أهدافها، دون التفات إلى صاحبنا «الناصح الأمين» أو غيره من الولاءات المخالفة لأهداف المنظومة ومصلحتها.

وقد زار الرئيس الأمريكي جون كينيدي عام 1963م وكالة «ناسا»، فرأى عاملًا مجتهدًا ينجز بإخلاص ما أوكل إليه من عمل، فسأله عن عمله، فأجاب: «أنا أساعد في إرسال رجل إلى القمر». والحقيقة أن العامل كان عامل نظافة، لكنه كان مؤمنًا بالمنظمة ويعمل لتحقيق أهدافها العليا، ويؤمن بأن عمله يسهم في ذلك. وغالبًا ما يُستشهد بهذه القصة لتوضيح كيف يمكن لكل فرد في المؤسسة أن يربط عمله بالهدف الأسمى للمنظومة، لكنني أستشهد بها أيضًا للدلالة على ثقة العامل بعدالة موقفه، دون تذمر من كونه عامل نظافة وغيره يحوز الامتيازات والعلاوات؛ فهو مؤمن بأهميته من مكانه الذي هو فيه، لا من غيره.

إن من اتخذ الولاء مبدأً راسخًا يعمل دون كلل أو ملل، لا يتوقف ولا يتبدل بتغير رئيس أو مرؤوس، ولا يتشكل بتشكيل جديد أو قديم؛ بل ينجز بصبر وصمت وحكمة، متجاوزًا الأخطاء الفردية والنزعات والنزاعات الذاتية التي تؤخر ولا تقدم، وتضر ولا تنفع. كما يتحرز أشد التحرز من الإضرار بسمعة المنظومة التي ينتمي إليها، إيمانًا منه بأهدافها وسعيًا لأن يكون جزءًا من إنجازاتها؛ فتراه فخورًا بانتمائه لها، مدافعًا عنها، وملتمسًا العذر لها، ولو تنقّل في أماكن مختلفة، فإنه يظل ذلك المخلص صاحب المبدأ الثابت الذي يبني ولا يهدم.

أ.د منصور سعيد أبو راس

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى