المقالات

المنظور الاستراتيجي لإدارة الأزمات المتعددة

يضج العالم المعاصر بجملة من الأحداث والصراعات في مختلف الاتجاهات والأماكن، تسببت في نشوء أزمات متعددة على مختلف النواحي والمستويات. وقد تميزت هذه الأزمات بظهورها المتزامن في الوقت نفسه، حيث شملت نواحي سياسية واجتماعية واقتصادية وأخلاقية وغيرها، وأصبحت تشكل عبئًا ثقيلًا تئنّ منه كثير من الدول، وتعجز بعض الدول عن تحمل تبعاتها.

وبالنظر إلى طبيعة الأزمات نجد أنها تشترك في عنصر المفاجأة والمباغتة، الأمر الذي يربك الخطط والحسابات، خصوصًا لدى الدول ضعيفة الإمكانات التي تتعامل معها بالمفهوم التقليدي القائم على أن إدارة الأزمات تعني معالجة الأزمة والسيطرة عليها عند وقوعها فقط. وهذا مفهوم ضيق لا يمكن معه الخروج بنتائج إيجابية قادرة على الحد من تبعات الأزمة أو تحويلها إلى فرص، واستثمار مخرجاتها لإعادة التخطيط ضمن إطار استراتيجي يحقق الفوائد المرجوة.

لقد كان المنظور الاستراتيجي، ولا يزال، يقدم الحلول والمبادرات القادرة على استيعاب الأزمات المتعددة واحتوائها، إذ ينبغي وضع الأزمات في قالب استراتيجي سهل وممكن التطبيق في جميع جوانبه، وهو قالب يصلح لمختلف أنواع الأزمات. فالأزمة، كما ينظر إليها المختصون، تمثل مشكلة كبيرة ومفاجئة وضاغطة، تسبب الارتباك وفقدان التوازن، وتشتد حدتها مع تراكم أضرارها.

ولكي يتم تطبيق الخطوات الاستراتيجية، لا بد من تقسيم إدارة الأزمة إلى خمس مراحل رئيسة:

المرحلة الأولى: الوقاية الاستباقية
وتتمثل في سد جميع المنافذ والفجوات التي قد تؤدي إلى وقوع الأزمة، عملًا بمقولة «الوقاية خير من العلاج». ولذلك ينبغي على القائمين على إدارة الأزمات وضع خطة وقائية متكاملة تستوعب الأزمات المتعددة، والتعامل مع كل منها بما يناسبه، بهدف إحباط حدوثها مبكرًا.

المرحلة الثانية: دراسة المؤشرات وتفعيل الإنذار المبكر
وهي خطوة مهمة لفهم طبيعة الأزمات وحجمها، وتوقع مدى تأثيرها وقوتها واتجاهها، وتتطلب مسحًا معلوماتيًا واسعًا واستخدام التقنيات والآليات التي تساعد على بناء توقعات دقيقة ووضع الاحتياطات اللازمة، من خلال دراسة محيط الأزمة وبيئتها الداخلية والخارجية، والمؤشرات العامة والخاصة المرتبطة بها.

المرحلة الثالثة: التفكيك والمواجهة
فعندما تقع الأزمات المتعددة في وقت واحد يصعب التعامل معها ككتلة واحدة، لذا ينبغي تفكيكها أولًا، ثم تصنيفها وتحديد أولوياتها بحسب درجة خطورة كل أزمة وأثرها، ووضع إجراءات المواجهة المناسبة لكل منها، بما يحقق سرعة وفاعلية في التعامل معها.

المرحلة الرابعة: المعالجة واستعادة التوازن
وحين تتم السيطرة على معظم مكونات الأزمة وتبدأ في الانحسار، يجب البدء فورًا بمعالجة الأضرار الناتجة عنها، وطرح البدائل والحلول التي تعوض الخسائر وتحد من آثارها السلبية.

المرحلة الخامسة: إعادة التخطيط ورسم المستقبل
وهي المرحلة الأشد حاجة إلى المنظور الاستراتيجي، إذ تركز على دراسة الآثار الناتجة عن الأزمات، واستخلاص الدروس والفوائد التي تساعد على تطوير الخطط والبرامج، وتلافي الأخطاء ومعالجة جوانب القصور، انطلاقًا من القاعدة التي تؤكد أن «مع المحنة منحة»، حيث تمثل الأزمات فرصة حقيقية لتقييم أساليب العمل، وتحسين جودة الخطط، وإعادة التخطيط بمنظور استراتيجي يركز على استثمار الفرص وتجنب المخاطر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى