رغم قسوة الحروب وكارثية نتائجها وآثارها المؤلمة على الإنسان والمكان، وأنها «كُرْهٌ لَكُمْ» وفق التعبير القرآني الكريم، فإنها كانت منشأً لكثير من الاكتشافات العلمية، ودافعًا لتطور مختلف التقنيات المتقدمة التي ينعم بها إنسان هذا العصر في حياته اليومية. فتحتاج إدارة الحرب والقيادة والسيطرة إلى شبكة اتصالات متطورة وفعّالة، وحصانة عالية لحفظ المعلومات وترميزها، وسرية وفاعلية في إرسالها وتلقيها (تعميتها)، إضافة إلى آلات متطورة لمواكبة ظروف الحرب المختلفة في النقل والإمداد والحفر والتصوير. كما أن كثيرًا من الحواسيب والخوارزميات والشبكة العنكبوتية طُوِّرت تزامنًا مع الحروب، وهكذا تكون الحرب – وقانا الله شرها – دافعًا لتطوير منظومة من التجهيزات القتالية يُستفاد منها لاحقًا في المجال المدني.
ويُقال إن القائد الروماني يوليوس قيصر كان من أوائل من استخدم التعمية (التشفير) لإرسال رسائل مشفرة إلى قواده وجنوده في ميدان الحرب، ولذا نُسبت إليه إحدى أشهر الشفرات وأقدمها «شفرة الإزاحة» أو «شفرة قيصر»، التي تعتمد على إزاحة موقع الحرف الهجائي. وقد ظلت تلك الشفرة – رغم تدني حصانتها وسهولة كسرها – مثالًا لا يكاد يخلو منه كتاب في نظرية التعمية. ثم تطورت نظرية التعمية (بناء خوارزميات التعمية وكسرها) حتى أصبحت علمًا مستقلًا يُدرَّس في الكليات العلمية والأكاديميات العسكرية، وتُكتب فيه الرسائل العلمية والأبحاث المتقدمة، واتسعت دائرة تطبيقاته في التعاملات اليومية لتشمل العمليات المصرفية، والمراسلات الدبلوماسية والاستخباراتية، والبريد الإلكتروني، وبرامج التواصل الاجتماعي، والتطبيقات الخدمية.
ومن أشهر وسائل التشفير في عالم الحروب جهاز «إنيجما» (Enigma)، الذي صُمِّم في أوائل القرن العشرين للاستخدام في الاتصالات التجارية والدبلوماسية والعسكرية، واستُخدم من قبل الجيش الألماني في الحرب العالمية الثانية. وقد استطاعت بريطانيا فك شفرة هذا الجهاز بعد أن جنّدت مجموعة من العلماء، على رأسهم عالم الرياضيات البريطاني ورائد علوم الحاسب والذكاء الاصطناعي آلن تورينغ (1912–1954)، وخصّصت لهم مقرًا في «حديقة بلتشلي» (Bletchley Park) للعمل على فك الشفرات واستخراج النصوص المعماة. وقد أسهم ذلك الاختراق بلا شك في تقصير أمد الحرب العالمية الثانية، كما أصبحت مخرجات «بلتشلي بارك» لاحقًا رافدًا غنيًا لأبحاث نظرية المعلومات والحاسب الآلي. ومن هنا تعزّز دور نظرية المعلومات – ممثلة في الترميز والتعمية – في إدارة الصراعات بأشكالها المختلفة، سواء في ميادين القتال أو الهجمات الإلكترونية وسرقة البيانات، الأمر الذي دفع الدول إلى إدراك أهمية هذا المجال والحرص على السبق فيه.
وبعيدًا عن الحروب، تُعد شفرة «RSA» من أشهر الشفرات المستخدمة حاليًا، وهي من شفرات المفتاح العام (Public Key)، وتُستخدم في الإرسال والاستقبال والتوثيق، وفي العمليات المصرفية والتجارة الإلكترونية. وقد طُوِّرت عام 1977، وهي مبنية على نظريات أولية في الرياضيات (علم الأعداد)، وتستمد قوتها – شريطة أن يكون المفتاح المستخدم كبيرًا – من صعوبة تحليل الأعداد الكبيرة إلى عواملها الأولية.
وأخيرًا، لا أحد من العقلاء يشجع الحروب أو يتمنى لقاء العدو، كما جاء في الحديث الشريف: «لا تتمنوا لقاء العدو…»، غير أن كثيرًا من الاكتشافات العلمية – إلى جانب كونها نتاج شغف علمي وفضول معرفي وتأمل عميق – جاءت أيضًا نتيجة وضع العقل البشري تحت وطأة التحدي البنّاء والاستفزاز المعتدل، الذي يقوده في كثير من الأحيان إلى الاختراع والإبداع والتطوير.
