في أحد المشاهد اللافتة ضمن المنتدى السعودي للإعلام، استوقفتني كلمة للصحافي داود الشريان حول مفهوم الفساد، حين أكّد أن الفساد لا يقتصر على المال وحده، بل يمتد ليشمل الفساد الإعلامي، عندما تُنتزع الأمانة من الكلمة، ويُغشّ في نقل الخبر، أو يُفرّغ من سياقه ومسؤوليته.
هذا الطرح يفتح بابًا أوسع لفهم الفساد بوصفه حالة أخلاقية قبل أن يكون خللًا ماليًا؛ حالة تتغيّر أشكالها بتغيّر الزمان والمكان، وتجد لها مسوّغات ناعمة إن غاب الوعي أو ضعفت الرقابة الذاتية. فالإعلامي لا ينقل حدثًا فحسب، بل يُشكّل وعيًا عامًا، ويؤثر في اتجاهات الرأي، ما يجعل الأمانة المهنية ركيزة لا يمكن التهاون بها.
الأمانة ليست شعارًا يُرفع، ولا قيمة تُستدعى عند الحاجة، بل ممارسة تبدأ من الداخل. حتى في الإنكار بالقلب أمانة؛ أن يرفض الإنسان الباطل داخله، وألا يبرّره بصمت أو يزيّنه بتأويل. وحتى في ردّ السلام أمانة؛ لأنها ليست تحية لفظية فقط، بل اعتراف بالآخر، وحفظ لحدود الاحترام، وترسيخ لأبسط قواعد العيش المشترك.
نحن لسنا معصومين من الخطأ، ولا محصّنين من الزلل، لكن الأمانة تظل بوابة الأمان، ومصدر الثقة، وأساس الاستقامة. والصدق، في هذا السياق، ليس ترفًا أخلاقيًا، بل درعًا يحمي صاحبه من وعثاء الطريق. فمن الصعب أن يسلك الإنسان دربه بثبات، وهو لا يحمل أدواته، ولا يصون أساساته.
وقد وضع الدين ميزان المسؤولية بشمولية واضحة لا لبس فيها: كلّنا مسؤول، وكلّنا مسؤول عن رعيته. فلم يترك لنا سؤالًا بلا جواب، ولا موقفًا بلا توجيه. أنزل الله دستوره، دستور الدنيا والدين، وأكمله بسنة نبيه محمد ﷺ، لتبقى البوصلة مستقيمة، ويظلّ ميزان القيم حاضرًا في كل موضع مسؤولية.
وفي هذا السياق، يظلّ الإعلام رسالة قبل أن يكون مهنة، ومسؤولية قبل أن يكون منصة. فالصوت الإعلامي ليس صوت صاحبه وحده، بل هو صوت الآخر، وصدى للواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يُرى. والنقل الصادق هو نقلٌ متيقّن، خالٍ من العيوب المتعمّدة، ومنزّه عن التزييف أو الاجتزاء، لأن الكلمة حين تُقال بوعي وأمانة، لا تمثّل فردًا، بل تعبّر عن مجتمع، وتحفظ ثقة، وتصون المعنى من الضياع.

