إن قرار إرساء «السياسة الوطنية للغة العربية» هو حجر الزاوية في بناءٍ سياديٍّ شامخ؛ ينتقل باللغة من سياق «الرمزية الاحتفالية» إلى فضاء «الضرورة الوجودية». إنها الرؤية التي أدركت مبكرًا أن هوية اللغة هي المنصة الوحيدة الصالحة للانطلاق نحو العالمية، وأن المواطن الذي لا يخاطبه قانونه بلسانه الأم يظل مغتربًا في وطنه، قاصرًا عن إدراك حقوقه والتزاماته دون وسيطٍ أو ترجمان.
ومن هذا المنطلق ينبثق اشتباكٌ قانوني حيوي يعكس نضج التجربة التشريعية السعودية، حيث تتنازع السياسة اللغوية وجهتا نظر؛ الأولى سيادية ترى في القرار «تفعيلًا دستوريًا» لا يقبل التراخي، فبما أن النظام الأساسي للحكم جعل العربية لغة الدولة، فإن هذه السياسة تصبح «قاعدةً آمرة» تعلو ولا يُعلى عليها، ويغدو أي عقدٍ أو قرارٍ يُغفلها باطلًا بطلانًا جسيمًا لمخالفته النظام العام.
أما الثانية فواقعية، تحذر من «التضخم النظامي»، وترى في السياسة توجيهًا إداريًا حكيمًا يمنح النظام مرونةً كافية، ولا يكتسب قوة الإلزام القسرية إلا بنصوصٍ تقنينية صريحة تُخرجها من حيّز الإرشاد إلى حيّز الجزاء.
وعلى ضفاف العدالة الإجرائية يطل السؤال الجوهري: هل الإقصاء اللغوي مجرد عيبٍ شكلي؟ إن المنطق القضائي الرصين يذهب إلى أن اللغة هي وعاء «الرضا» وجوهر «العلم اليقيني»، فإذا سُلبت اللغة من الخصومة فُقدت معها ضمانات الدفاع، واستحال القرار الإداري إلى لغزٍ يعجز المخاطَب عن فك شفراته، مما يجعل العربية «شرطًا جوهريًا للصحة» لا يستقيم ميزان العدل بدونه.
ومع ذلك، يظل القضاء الإداري واعيًا لضرورة استقرار التعاملات، فلا يقرر البطلان إلا حيث يقع الضرر الحقيقي، تلافيًا لـ«إسرافٍ إجرائي» قد يعيق عجلة الإدارة.
أما في معترك الاقتصاد العالمي، فتتجلى عبقرية الدولة في الموازنة بين منطق الاستقلال الذي يحمي السيادة من «التدليس الصياغي» والتبعية التشريعية، وبين منطق المرونة الذي تفرضه عقود الاستثمار والتحكيم الدولي. فالدولة التي تعتز بلسانها هي ذاتها التي تفتح ذراعيها للعالم، مؤكدةً أن «الرسمية» لا تعني «الحصرية»، وأن أولوية النص العربي عند التنازع هي صمام الأمان الذي يحفظ الحقوق الوطنية، دون الانكفاء في «حمائية قانونية» قد تنفّر رؤوس الأموال الباحثة عن لغة عالمية موحدة.
ختامًا؛
إن هذه السياسة هي ميثاقٌ يجمع بين هيبة السيادة ومرونة الانفتاح؛ لنصل في النهاية إلى تلك المعادلة الصعبة التي تنشدها الأمم العظيمة: عربيةُ المنطق، عالميةُ الأفق؛ عقلٌ سعوديٌّ يحاور العالم بلغاته ليحمي كرامة الإنسان، متمسكًا بجذور الهوية، ومتبوِّئًا سدة التأثير العالمي.