لقد كان لي شرف أن أكون أحد طلابه في كلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، حيث بدأت رحلتي العلمية في أول سنة جامعية مع مادة فقه اللغة وعلم اللغة. وما تعلمته لم يكن مجرد حفظٍ أو تلقين، بل كان فتحًا لآفاق العلم، وغرسًا لحب البحث، والتأمل في أبعاد المعنى والكلمة، ورؤية العلم كمسيرة دائمة من الاجتهاد والتمييز.
هذا العالم الجليل، الذي يجمع بين وقار العلم ورقة الروح، زرع فينا شغف المعرفة، وأرشدنا إلى أن العلم حياة، وأن كل حرف وكل عبارة تحمل وزنها ومعناها. كان يشير دائمًا إلى عشرات المصادر، ويحثنا على المراجعة الدقيقة قبل كل درس، مؤكدًا أن الجدية والانضباط في التحضير هما مفتاح التفوق والتميّز.
كان يعاملنا كما يعامل الباحثين الناضجين، يفتح لنا أبواب مكتبه، ويحفزنا على الحوار والمناقشة، فتدور الحوارات العلمية بيننا، وغالبًا ما كانت نقاشاتي مع أخي الأستاذ الدكتور بيللو مانا من جمهورية الكاميرون، نستعرض فيها الأفكار ونتبادل الرؤى، وكان الأستاذ يستمع بعين بصيرة، ثم يضيف بعد ذلك أبعادًا للدرس لم نكن قد أدركناها، كأنه يوسّع أمامنا آفاق المعرفة التي لم نكن نعلم بوجودها.
وكان دائمًا يقول لنا بحزمٍ ووقارٍ وعاطفة متدفقة:
“أنتم باحثون، ولستم طلابًا يكتفون بالتلقين. عليكم أن تفكروا، وأن تقرأوا”
هذه الكلمات لم تكن مجرد عبارات تُقال، بل شعلة تُضيء خطواتنا العلمية، ومبدأ نحمله في كل مسيرتنا الفكرية. ولعل أعظم ما أثّر في نفسي قوله الخالد:
“اختيار الشخص جزء من شخصيته”—
عبارة تختزل معنى الوعي بالمسؤولية، وحسن الاختيار، وعمق التفكير في أفعالنا، واختياراتنا التي تشكل هويتنا العلمية والإنسانية. لقد ذكرت هذه العبارة في كلمتي أمام الأمم المتحدة في نيويورك، مذكرًا الحضور باسم الأستاذ الكريم، معبّرًا عن أثره العميق في تكويني العلمي والشخصي، وعن كيف أن كل اختيار نتخذه يعكس جزءًا من شخصيتنا ومسؤوليتنا تجاه أنفسنا والمجتمع.
عندما علم أنني من إرتريا، شجعني على دراسة لغة الجعز، وكتب رسالة رسمية إلى جامعة أسمرا، مؤكدًا اهتمامه باللغات النادرة وتشجيعه المستمر لكل طالب يسعى للعلم والمعرفة. لقد غرس فينا حب البحث الدقيق والانتباه لأدق تفاصيل الكلمات والعبارات، حتى صارت هذه الممارسات جزءًا لا يتجزأ من شخصياتنا العلمية والأدبية.
له الفضل الكبير في ما وصلنا إليه من مكانة علمية، ويشهد الله أني حين تم اختياري من بين أكثر خمسين شخصية تأثيرًا في العالم لعام 2018، كانت ذكراه وعلمه المبارك أول ما خطر ببالي، ممتنًا له على ما زرعه في قلبي من قيم ومعرفة، وعلى ما علّمنا من الانضباط وحب الاجتهاد والتفاني في العلم.
كل الشكر والتقدير لهذا العالم الجليل، الأستاذ الدكتور محمد يعقوب التركستاني، على علمه، ومعرفته، وتربيته لنا على البحث الدؤوب، وعلى تقديره للعلم ومكانته. وكل الامتنان للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، التي خرّجت أجيالًا من العلماء الذين يخدمون الدين، والوطن، والإنسانية، بمهنية وصدق، حاملين شعلة النور والمعرفة أينما كانوا.
وفي الختام، كل الشكر والعرفان للمملكة العربية السعودية على دعمها المتواصل للعلم، والبحث، وللجامعات التي تخرج علماء يرفعون راية المعرفة ويخدمون الإنسانية جمعاء






