حين تعيد الدول الكبرى صياغة مساراتها التعليمية، فإنها لا تفعل ذلك بدافع التجديد الشكلي، بل استجابة لتحولات عميقة في الاقتصاد والصناعة والتقنية. واليوم، ونحن نعيش في قلب اقتصاد معرفي سريع الإيقاع، لم تعد المسألة: هل نمنح الدرجة العلمية؟ بل: بأي معيار نمنحها؟ وهل تُقاس قيمة الدكتوراه بعدد صفحات الأطروحة، أم بعمق الإسهام، أم بقدرتها على التحول إلى منتجٍ يخدم الناس ويعزز تنافسية الوطن؟
في عام 2024، أقرّت الصين ضوابط لمسار مهني في دكتوراه الهندسة يتيح —ضمن شروط محددة— التقدّم بمخرج تطبيقي ملموس، كمنتج أو تقنية صناعية أو حل هندسي متكامل، بدلاً من الاقتصار على أطروحة تقليدية مطوّلة، مع اشتراط توثيق علمي يشرح الأصالة والمنهجية وأدلة التحقق. الفكرة هنا ليست إلغاء الكتابة، ولا الاستغناء عن البحث، وإنما تغيير طبيعة المخرج من نص طويل إلى حزمة أدلة يُقاس فيها الإسهام بالأثر والتحقق وقابلية التطبيق.
هذه الخطوة الصينية لا يمكن قراءتها بمعزل عن موجة عالمية أوسع تعيد تعريف العلاقة بين الشهادة والخبرة. ففي الولايات المتحدة، تزايد الحديث — على مستويات سياسية وإدارية — عن أولوية المهارات والكفايات على مجرد حمل الدرجة. وقد وقّع الرئيس ترامب في عام 2020 أمراً تنفيذياً يدعو إلى تحديث آليات التوظيف الفيدرالي بالتركيز على المهارات بدلاً من الاعتماد الحصري على الشهادات الأكاديمية، في رسالة واضحة مفادها أن الجدارة العملية جزء أصيل من معادلة التقييم.
لكن هل يعني هذا أن النظرية لم تعد مهمة؟ الإجابة القاطعة: لا. فالنظرية هي لغة الهندسة وعمقها، وهي التي تمنح الابتكار جذوره العلمية. غير أن القيمة تكتمل حين تُترجم المعادلة إلى جهاز يعمل، أو الخوارزمية إلى نظام يُختبر في بيئة حقيقية، أو النموذج إلى منتج يخضع لمؤشرات أداء صارمة. المشكلة ليست في المنتج، بل في احتمال التساهل في إثبات الأصالة والمساهمة المعرفية إن غابت الحوكمة الدقيقة.
ولذلك، فإن أي مسار دكتوراه تطبيقية جادّ يجب أن يقوم على أعمدة واضحة لا تقبل التنازل: مخرج تطبيقي محدد المعالم، ملف أدلة يتضمن اختبارات أداء ومقارنات معيارية وتحققاً تقنياً، تقرير علمي رصين يجيب عن سؤال (ما الجديد ولماذا هو جديد، وماهي درجة التحسن مقارنة بالأبحاث السابقة؟)، مناقشة علنية أمام لجنة تضم ممتحناً خارجياً مستقلاً، وإقرار واضح بمساهمة الطالب في حال تعدد الشركاء الصناعيين. والنشر في مجلات علمية محكمة . بهذه الشروط فقط تبقى الدكتوراه درجة بحث أصيل، لا مشروعاً كبيراً.
وعند النظر إلى التجربة السعودية، نجد أن الجامعات الكبرى ما زالت تحافظ على بنية الدكتوراه التقليدية القائمة على الأطروحة والدفاع العلمي، لكنها في الوقت ذاته تبني منظومة بحثية أقرب إلى الصناعة من أي وقت مضى. فجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) تلتزم بصرامة البحث الأكاديمي في برامج الدكتوراه، مع بنية قوية لنقل التقنية والشراكات الصناعية وتحويل المخرجات البحثية إلى ابتكارات قابلة للتسويق. وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن تؤكد أن برامج الدكتوراه لديها رسالة قائمة على أطروحة أصيلة، لكنها توسّع في المقابل منظومات البحث التطبيقي الذي يربط المختبر بالمصنع. وكذلك جامعات عريقة أخرى، مثل جامعة الملك سعود وجامعة الملك عبدالعزيز، التي تواصل المحافظة على الإطار البحثي الأكاديمي، مع تنامٍ ملحوظ في منظومات الابتكار وريادة الأعمال ونقل التقنية.
بعبارة أدق: في السعودية، (الدرجة) ما زالت تقليدية في بنيتها، لكن (المنظومة) باتت تميل بقوة نحو التطبيق. وهذا يهيئ الأرضية لنقاش جاد حول إمكانية تصميم مسارات تطبيقية منضبطة تخدم أولويات رؤية 2030، دون المساس بسقف الجودة العلمية.
إن القطاعات الوطنية في الاتصالات، والأمن السيبراني، والمدن الذكية، والتصنيع المتقدم، تحتاج إلى باحثين قادرين على تحويل الخوارزمية إلى منتج، والمعادلة إلى نظام يعمل في بيئة تشغيلية حقيقية. ومن واقع خبرتي في الاتصالات ومعالجة الإشارة وضغط البيانات والعلامات المائية والتحقق من المحتوى، يمكن تصور مشاريع دكتوراه ذات أثر مباشر: منظومات تحقق الفيديو ضد التزييف العميق تجمع بين العلامة المائية وبصمة المحتوى والكشف الإحصائي مع اختبارات معيارية وتشغيل تجريبي مؤسسي؛ خوارزميات ضغط متقدمة للحوسبة الطرفية توازن الجودة والطاقة والزمن في الكاميرات الذكية والطائرات المسيّرة؛ تقنيات علامات مائية مقاومة لإعادة الترميز والتشويش تُختبر وفق مؤشرات أداء دقيقة وتُدمج في سلاسل بث حقيقية. هذه أنظمة تعمل فعلاً، لكنها لا تستحق لقب الدكتوراه إلا إذا حملت أصالة موثقة، ومنهجية صارمة، وتحكيماً مستقلاً.
وفي ظل التسارع غير المسبوق في تقنيات الذكاء الاصطناعي، يبرز بعدٌ جديد في معايير الدكتوراه. فالذكاء الاصطناعي بات قادراً على تحليل البيانات، وكتابة الأكواد، بل والمساهمة في صياغة المسودات البحثية، ما يعني أن الجهد الإجرائي لم يعد هو الفارق الحقيقي. القيمة المستقبلية للدكتوراه ستكمن في القدرة على صياغة السؤال البحثي العميق، وبناء الإطار النظري المتماسك، وتصميم التجربة المحكمة، وتحكيم نتائج الأنظمة الذكية ونقدها، وضبط انحيازاتها، وربطها بسياق صناعي أو مجتمعي واقعي. في هذا العصر، لن يكون الباحث مَن يُجيد استخدام الأداة فقط، بل من يُحسن توجيهها، ويضبطها، ويحوّل مخرجاتها إلى معرفة موثوقة ذات أثر اقتصادي وتقني.
الخلاصة أن الدكتوراه ليست عدد صفحات، ولا هي منتج بلا نظرية. إنها مساهمة أصيلة تُقاس علمياً وتُختبر عملياً. فإذا أحسنا تصميم المسارات، وصرامة التقييم، وشفافية الشراكات مع الصناعة، فإن “الدكتوراه بالأثر” في عصر الذكاء الاصطناعي لن تكون تنازلاً عن العلم، بل ترقية له: علمٌ يُثبت نفسه في المختبر، ويبرهن قيمته في السوق، ويخدم الوطن بكفاءة واقتدار.
أ.د. عوض بن خزيم آل مارد الأسمري





