بدأ التعليم الجامعي في المملكة بتأسيس جامعة الملك سعود بالرياض عام 1377هـ، كأول جامعة سعودية تمثل التعليم الجامعي بصورته الحديثة، واختير أول رئيس لها الدبلوماسي والمفكر المصري الدكتور عبدالوهاب عزام، واستمر في منصبه حتى وفاته عام 1378هـ.
ثم توسعت المنظومة لتشمل مؤسسات تعليمية عالية ورائدة مثل: جامعة الملك عبدالعزيز، وأم القرى، والملك فهد للبترول والمعادن، والملك فيصل بالأحساء، وطيبة، والأمير عبدالرحمن، إلى جانب جامعات خاصة مثل: جامعة الأمير مقرن، وجامعة المعرفة، وجامعة الفيصل، والأمير سلطان، ودار الحكمة، وجامعة عفت. وتخضع جميعها لنظام الجامعات لعام 1441هـ، وصولًا إلى مرحلة الاستقلالية الحديثة وفقًا لرؤية سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله – التي تركز على جودة البرامج المقدمة، والبحث العلمي المنتج، وابتكارات أودية التقنية، ومواءمة مخرجات الجامعات السعودية مع احتياجات سوق العمل، بما يحقق مراتب متقدمة في التصنيفات العالمية.
لقد مثلت الثلاثية التالية [التلقين – التكوين – التمكين]، إلى حدٍ كبير، رحلة الجامعات السعودية منذ نشأتها إلى وقتنا الحاضر، حيث بدأت الجامعات في بيئة حديثة العهد بالتعليم النظامي، وكانت معظم مدنها وأطرافها ونجوعها وبواديها تفتقر إلى محاضن العلم وينابيع الثقافة.
في بداية المرحلة كان دور الجامعات السعودية يقتضي منها تلقين الأجيال مختلف أنواع المعارف والعلوم، حتى تنتشل الوطن من بيئة الجهل إلى بيئة العلم، وترتقي بهم من ظلمة الأمية إلى نور التعليم والمعرفة.
وحين أصبح العلم نهرًا جاريًا في كل مدينة وبلدة وقرية وهجرة، خطت الجامعات السعودية خطوتها الثانية، وهي الانتقال من مرحلة التلقين إلى مرحلة التكوين، فقامت بتطوير مناهجها وبرامجها الأكاديمية لتصبح أشبه بمصانع لتخريج شباب وشابات الوطن، كرست فيهم معنى خدمة الوطن، ومنحتهم المهارات والقدرات اللازمة التي تتكوّن بها شخصياتهم على أكمل وجه.
وبعد أن امتلأ الوطن بهذه الكفاءات الشابة المدربة والقادرة على العطاء، والمتسلحة بكل أسباب النجاح، لم يعد دور الجامعات مقتصرًا على التلقين – وإن كان جزءًا من العملية التعليمية – ولا على تكوين الكفاءات فحسب، بل سعت الجامعات السعودية بقوة إلى تذليل الصعاب وإزاحة العقبات من أمام هذه الطاقات الوطنية الشابة لتمكّن لها في أرض الوطن، وتتيح لها فرصة البناء الحقيقي: بناء الذات وبناء المجتمع معًا.
وبذلك أضافت إلى أدوارها دورًا جديدًا، وإلى أعبائها مسؤولية أكبر، هو دور التمكين، فأصبح هدفها تخريج شباب وشابات من المفكرين والموهوبين والمبدعين ورواد الأعمال، بدلًا من الاكتفاء بتخريج المتعلمين فقط. وهكذا أصبحت جامعاتنا اليوم جامعات عظيمة، وفق تعريف عالم علم الاجتماع الأمريكي جوناثان كول في كتابه «الجامعات العظيمة»؛ إذ يرى أن دور الجامعات العظيمة لا يقتصر على تخريج متعلمين، بل على تخريج مبتكرين ومبدعين وموهوبين ورواد أعمال.






