رمضان هذا العام جاء كما اعتدته، بروحانية تمتزج بالحيوية والصخب.. بلمسة المحبة التي تعطي العلاقات الإنسانية بريقها… قلوب تتقارب، ورسائل تهنئة تتدفق. تتسع البيوت للزيارات، وتكبر المائدة لتضم وجوهًا أحبت الاجتماع دائمًا. وسط هذا الامتلاء بالحياة، كان في داخلي فراغٌ لا يضاهيه شيء… شعورٌ ثقيلٌ تسلّل بصمت، فرمضان هذا العام يخلو من وجه والدي ويفتقد دعواته وبركاته إن الحنين الذي يجسده هذا المعنى منح الغياب حضورًا أقوى من كل حضور..
هذا الوعي دفعني لأن أكتب عن والدي لا بوصفه ذكرى فحسب، بل بوصفه معنىً باقٍ في داخلي؛ معنى الأبوة بوصفها أعمق من دورٍ يُؤدّى، وأبعد من حضورٍ يعبر. فالأب هو الأمان الأول الذي تتكوّن حوله طمأنينة البيت. ينسج حضوره اتزانًا داخليًا ويمنح الأيام إيقاعًا واضحًا؛ في نبرته ثبات، وفي نظرته للأمور سكينة، وفي وجوده إحساسٌ بأن الحياة تمضي على أرضٍ أكثر رسوخًا. ومن خلاله تتشكل الملامح الأولى للشخصية: ثقةٌ تنمو على مهل، وقيمٌ تستقر في السلوك قبل أن تُقال، ومسؤوليةٌ تُفهَم من المثال لا من الوصايا.
تمتد تداعيات هذا المعنى في الحياة كأثرٍ لا يعرف التوقف. حين يكون الأب معنى للأمان، يترك في الأبناء وعيًا داخليًا يهديهم في الأوقات الصعبة: هدوءًا وقت الارتباك، ورجاحةً عند القرار، وقدرةً على حمل المسؤولية بلا انكسار. ينعكس ذلك في طريقة التعامل مع الناس، وفي الحدود التي تُصان بها القيم، وفي شعور الانتماء الذي يمنح الإنسان ثباته أمام تقلبات الأيام. وحتى بعد الغياب، يظل أثره مرجعيةً غير معلنة؛ يظهر في كلمةٍ تخرج كما كان يقولها، وفي موقفٍ يُتخذ بروح ما كان يختاره، وفي يقينٍ هادئ بأن بعض الحماية تُصنع في الداخل من إرثٍ تربوي استقر في القلب.
حين يغيب الأب، يتغير شكل العالم من الداخل. صدع لا يرى لكنها يُحسّ: يُتمٌ معنوي يرافق الإنسان مهما كان عمره. يبدأ الفراغ من التفاصيل الصغيرة؛ من مكانه في الجلسة، من توقيت كلمته، من حضوره الذي كان يمنح اللحظات معنى زائدًا. ومع الأيام يتحول الحنين إلى رفيق يومي، يمرّ في القلب مع كل موقف يشبهه.
تبدأ رحلة ترميم الداخل بالعودة إلى ما تركه الأب فينا: وصايا تُستحضر عند القرار، مواقف تتحول إلى مرجع، وقيم تصبح معيارًا للاختيار. تحمل الذكريات وجعًا في بدايتها، ثم تمنح قوة مع الوقت؛ قوة تُعيد الاتزان وتفتح مساحة للصبر. وتؤدي الأسرة دورها حين تتشارك الحزن: حديثٌ يخفف الثقل، ووجودٌ يطمئن، وتفاهمٌ يعيد بناء الشعور بالأمان خطوة خطوة.
يمنح شهر رمضان معنى مختلفًا للصلة بعد الرحيل. الدعاء يتحول إلى لغة يومية، والصدقة إلى باب يُفتح. يمتد البر عبر نية صادقة تُهدى ثوابًا لمن نحب. في هذه الأعمال يخف ثقل القلب، ويشعر بقربٍ من نوع آخر، قرب تصنعه الرحمة.
وفي الختام، لا يسعني إلا التوجه بالدعاء:
“اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وارحم من سبق منهم، واحفظ الأحياء منهم برحمتك، واجعل هذا الشهر المبارك نورًا لهم في قبورهم ونورًا لنا في قلوبنا، وأعنّا على برّهم أحياءً وأمواتًا”


