اليوم هو ثاني يوم من مغادرة جدي رحمه الله هذه الدنيا.
وقد روى أبو داود والترمذي أن رسول الله ﷺ قال: (اذكروا محاسن موتاكم) فهذه من مستحبات العزاء.
ولأذكر شيئًا قليلًا من فضائله، أكتب هذه الكلمات عن جدي خالد؛
الذي لا يلتقي اسمي باسمه مباشرةً، لكني أباهي به الجميع، وأشيد في المجالس بأنه جدي… وكفاني بذلك فخرًا.
وُلد جدي في عائلة وقبيلة معروفة يتفاخر بنوها بنسبهم، وربما يغلون في التباهي بذلك.
كان رحمه الله رجلًا بدويًا عربيًا أصيلًا.
وأصالته لم تكن حصرًا على النسب،
بل في مكارم الأخلاق، وشيم العرب، والمروءة التي نقرأ عنها في كتب التاريخ ودواوين الشعر.
كان فصيح القول، شجاع الرأي، وعظيم الشأن.
عاش حياةً مليئة بالمآثر، وترك أثرًا يمتد لأجيال وأجيال.
امن جدي أن المرجلة ليست لقبًا ولا نسبًا،
بل عدلٌ، وموقف، ونصرة للضعيف، وكرامة للإنسان عامةً وللمرأة خاصةً.
حارب العنصرية ورفض الأعراف التي تُفرّق بين البشر على أساس الأصل أو النسب،
ورأى أن قيمة الإنسان في أخلاقه وشخصه فقط، لا في أمواله ولا ألقابه.
وكان من أوائل من وقفوا مع المرأة في زمنٍ لم يكن صوتها مسموعًا فيه.
آمن بأهمية استقلاليتها وحريتها المالية،
في وقتٍ كانت أعظم إنجازاتها في قبيلتهم أن تتزوج رجلًا ثريًا ينفق عليها،
وكان يُنظر إلى تعليمها على أنه مضيعةً للوقت تقلّل فرصها في الزواج المبكر والإنجاب.
كان يرى أن علمها سلاح ومنجاة،
وأن كرامتها في قدرتها على الاعتماد على نفسها،
لا في انتظار من ينفق عليها.
دعم أمي، ورفض تزويجها حتى إكمالها لتعليمها العالي،
وجلب لها المعلمين العرب والعجم،
في وقت كانت فيه أقرانها تتزوجن منذ المرحلة المتوسطة وتتوقفن بعد ذلك عن الدراسة.
وغيرها الكثير من التفاصيل الشخصية والعائلية التي اتحفظ عن ذكرها من باب الخصوصية التي اقدرها كثيرًا..
إلا أني اليوم أنظر إلى أحوال المجتمع، وأدرك أن أجيالًا جديدة قد أتت، وأن الكثير من التقاليد البالية قد كُسرت، وأن أمورًا كثيرة أصبحت أفضل.
لكن جدي…
كان قد بدأ هذا التغيير منذ زمن بعيد،
منذ أكثر من ثلاثين عامًا!
كان نموذجًا مشرّفًا للرجل القبيلي؛
ذلك الذي يهدم العادات إذا لم تخدم الإنسان،
ويفهم أن قوامته على النساء هي مسؤولية يحملها على عاتقه، لا سيادةً يتعالى بها.
علمنا أن المرجلة حمايةٌ يبادر بها الرجل نحو نساء بيته،
لا سلطة يفرضها عليهن.
حتى انه عرف عنه كيف كانت كل النساء تحترم في بيته و خارج اسواره!
وأما في حياته العملية،
فلم يغادر جدي هذه الحياة قبل ان يضمن لأبنائه حياة كريمة مدى العمر…
من محطات البنزين، الأراضي والعقارات، المزارع و المواشي والمحلات التجارية..
عاش رحمه الله ناجحًا بما تعنيه الكلمة…
على كل من الصعيد الشخصي والمهني..
فكر في كل تفصيلة وضمن لابنائه كل شيء..
حتى اصبحت ثقافة العمل عندهم هي مجرد خيار لا اضطرار.
يتوارث الناس عادات وأعرافًا،
وأتوارث أنا سيرته.
نهجه… وموقفه… وفكره.
المسلم الخلوق الذي يعمل بكتاب الله،
التاجر الناجح،
طالب العلم الذي لا يمل ابدًا،
الزوج المساند..
الأب الحنون والداعم،
والجد العظيم الذي تمتد محبته لأجيال وأجيال.
واليوم في زمن أصبحت فيه “المرجلة” قضية أساسية وتحديًا لدى كثير من الشباب؛
يعيش أحدهم عمره كاملًا في صراعات لإثباتها،
ويستاء آخر من طعن الناس “لمرجلته”،
ويسعى ثالث لفرض هذه “المرجلة” قسرًا،
اعرف أنا يقينًا وتمامًا…
ان المرجلة…
هي سيرة حياة جدي.
جدي الغالي،
يتوارث الناس عادات وأعراف تسلبهم راحتهم،
واتوارث انا نهجك وخطاك..
الذي سأخبر عنه أحفادي في يوم ما، وسيتناقلونه هم، بدورهم.
رحمة الله على روحك الطيبة يا حبيبي.
