حين نستعيد ذكرى يوم التأسيس لهذه الدولة السعودية المباركة، فإننا لا نستحضر حدثاً تاريخياً عابراً، بل نستنهض زمناً مجيداً صاغته الإرادة، وصنعه رجال أشاوس حملوا مشروع الدولة على عواتقهم، وأرسوا دعائمها على أسس راسخة من العقيدة، والعدل والأمن والوحدة.
لقد بزغ فجر الدولة السعودية الأولى بقيادة الإمام محمد بن سعود – رحمه الله – من الدرعية، حاملاً رؤية دولة تقوم على كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وتتخذ من القيم الإسلامية منهجاً للحكم، ومن العدل أساساً للاستقرار. وكان من أعظم منجزاتها احتضانها ونصرتها للدعوة الإصلاحية التي قادها الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – لتصحيح العقيدة وتنقيتها من شوائب الخرافة والبدع التي أثقلت كاهل المجتمع آنذاك.
وقد أولت الدولة منذ نشأتها عناية كبرى بإعادة الأمن المفقود وإقامة العدل المنشود، ونشر العلم وتنوير العقول، وتوحيد المناطق المتفرقة وتحقيق الاستقرار، والتصدي للأخطار الداخلية والخارجية. فوجد الناس فيها ملاذاً آمناً ومشروعاً جامعاً ودولة تعبّر عن تطلعاتهم بعد زمن طويل من الخوف والاضطراب، فالتفّوا حولها مؤمنين برسالتها ومباركين نهجها.
وما تعرضت له الدولة في فترات من تحديات وتقلبات لم يكن نهاية لمسيرتها، بل كان حافزاً تاريخياً أعاد إشعال جذوة البناء في نفوس القادة من بعدها، فاستمرت الجهود البطولية في الأطوار اللاحقة على درب العزة والمجد جيلاً بعد جيل، حتى تُوّج بقيام الدولة السعودية الثالثة على يد القائد الفذ الملك عبد العزيز آل سعود – طيب الله ثراه – الذي وحّد الشتات ولمّ الشمل وصنع كياناً عظيماً يُعد من أعظم منجزات التاريخ المعاصر.
فالتاريخ لا تصنعه الجموع، بل يصنعه القادة الكبار، أصحاب الرؤى الواضحة والإرادة الصلبة والإيمان العميق والعزيمة التي لا تلين. وهو ما جسّده ملوك هذه الدولة المباركة منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا.
وها نحن اليوم ننعم في ظل هذه البلاد الطاهرة بحياة كريمة، يسودها الأمن والاستقرار والرخاء، في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز – حفظه الله – وبمساندة سمو ولي عهده الأمين عرّاب الرؤية الأمير محمد بن سلمان، حيث شهدت المملكة نقلات نوعية غير مسبوقة، وبُني اقتصاد قوي وتعزز الحضور الدولي، وتسارعت وتيرة التنمية في شتى المجالات خلال زمن قياسي.
إن يوم التأسيس الذي نحتفي به اليوم يظل من أعظم مفاخر هذه الدولة الفتية، لما يحمله من عمق تاريخي وبعد حضاري، وما يختزنه من تضحيات جسام وملاحم مشرّفة سطرها قادة عظام ورجال أوفياء، قدّموا للوطن الكثير ومهّدوا طريق النهضة للأجيال من بعدهم.
وحق لنا – ونحن نستحضر هذا الإرث المضيء – أن نعتز بتاريخنا العريق ونفخر بماضينا التليد ونستلهم من مسيرتنا الطويلة معاني العزيمة وعلو الهمة وصلابة الإرادة، ونجدّد الولاء والانتماء لقادتنا الأشاوس وهم يمضون بالوطن نحو مستقبل أكثر ازدهاراً ونماءً وتمكيناً.
فكل عام وبلادنا الغالية أكثر مجداً، وكل عام ويوم التأسيس شاهد على تاريخ لا يُنسى ومسيرة لا تنكسر.
0






