المقالات

يوم التأسيس :رسالة نحو مستقبل مزهر

يوم التأسيس ليس مجرد ذكرى تاريخية عابرة، بل هو محطة وعي واعتزاز نستحضر فيها جذور الدولة السعودية الأولى التي أُسست عام 1727م على يد الإمام محمد بن سعود، لتبدأ مسيرة ممتدة من البناء السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ارتكزت على الوحدة والاستقرار وترسيخ القيم الأصيلة. وفي كل عام، حين تحل ذكرى هذا اليوم، يتجدد في وجدان أبناء المملكة معنى الانتماء، ويترسخ الشعور بالمسؤولية تجاه وطنٍ صنع أمجاده الآباء، ويحمله اليوم الأبناء نحو آفاق أوسع من التقدم والازدهار.

إن أهمية يوم التأسيس تكمن في كونه يمثل لحظة انطلاق مشروع دولة قامت على أسس راسخة من العقيدة والعدل والشورى ووحدة الصف. فمنذ البدايات الأولى، كان الهدف هو توحيد الكلمة وجمع الشتات وتحقيق الأمن بعد فترات من التفرق وعدم الاستقرار. ومن هذه القاعدة الصلبة انطلقت مراحل التطور اللاحقة، وصولاً إلى توحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، لتبدأ مرحلة جديدة من البناء المؤسسي والتنمية الشاملة.

لقد أثمرت تلك الجهود المتراكمة عن دولة حديثة تنعم اليوم بالعز والرخاء والاستقرار، وتحتل مكانة إقليمية ودولية مرموقة. ولم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل هو نتيجة تخطيط بعيد المدى، واستثمار في الإنسان، وحفاظ على الثوابت مع انفتاح واعٍ على معطيات العصر. إن ما نشهده اليوم من تطور في البنية التحتية، والتعليم، والصحة، والاقتصاد، والتحول الرقمي، يعكس امتداداً طبيعياً لتلك الروح التأسيسية التي آمنت بأن الاستقرار أساس التنمية، وأن الوحدة مصدر القوة.

ومن أهم الدروس المستفادة من يوم التأسيس أن الاستدامة لا تتحقق إلا عبر ترسيخ الهوية الوطنية والتمسك بالقيم. فالهوية ليست مجرد شعارات، بل هي سلوك يومي يترجم في احترام الأنظمة، والمحافظة على المكتسبات، والعمل بإخلاص من أجل الصالح العام. كما أن الاستدامة تتطلب وعياً بأن النعم التي نعيشها اليوم هي أمانة في أعناقنا، وأن الحفاظ عليها يستوجب التخطيط الرشيد، وإدارة الموارد بكفاءة، وتنويع مصادر الدخل، ودعم الابتكار.

وفي هذا السياق، تمثل رؤية المملكة 2030 نموذجاً عملياً للبناء على ما تحقق، إذ تسعى إلى تعزيز الاقتصاد غير النفطي، وتمكين الشباب، ودعم ريادة الأعمال، وتعزيز جودة الحياة. وهذه الرؤية ليست مشروع حكومة فحسب، بل مشروع وطن يتطلب مشاركة المجتمع بأكمله. فالاستدامة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية مسؤولية مشتركة، تبدأ من الفرد وتمتد إلى المؤسسات.

أما دور الأجيال الحالية، فيتمثل أولاً في استيعاب معنى “البناء على البناء”. فكل مرحلة من تاريخ المملكة قامت على جهود سابقتها، ولم تبدأ من فراغ. ومن هنا، فإن مسؤولية الشباب اليوم ليست فقط الحفاظ على المنجزات، بل تطويرها والارتقاء بها. ويتحقق ذلك عبر طلب العلم، واكتساب المهارات الحديثة، والانفتاح على التجارب العالمية مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية. كما يتطلب الأمر تعزيز ثقافة العمل والإنتاج، والابتعاد عن الاتكالية، والمبادرة في طرح الحلول للمشكلات المجتمعية.

كذلك، فإن من واجب الأجيال الحالية تعزيز قيم المواطنة الصالحة، من خلال الالتزام بالأنظمة، واحترام التنوع، والعمل بروح الفريق. فالوطن لا يبنى بالجهود الفردية المعزولة، بل بالتكامل والتعاون. وكل إنجاز يحققه شاب أو شابة في مجالهما العلمي أو المهني هو لبنة جديدة في صرح الوطن. كما أن الحفاظ على البيئة، وترشيد الاستهلاك، ودعم المبادرات التطوعية، كلها صور عملية لترجمة حب الوطن إلى أفعال.

ولا يمكن إغفال أهمية الوعي التاريخي في تحقيق الاستدامة. فمعرفة التحديات التي واجهها المؤسسون، والصبر الذي تحلوا به، والرؤية التي قادتهم، تمنح الأجيال الحالية ثقة بقدرتها على تجاوز الصعوبات المعاصرة. فكما استطاع الآباء تحويل التحديات إلى فرص، يستطيع الأبناء اليوم مواصلة المسيرة بروح العزيمة نفسها.

إن ذكرى يوم التأسيس تذكرنا بأن الاستقرار الذي ننعم به اليوم هو ثمرة تضحيات وجهود تراكمت عبر قرون. ومن الوفاء لتلك المسيرة أن نكون على قدر المسؤولية، وأن نعي أن المحافظة على العز والرخاء تتطلب عملاً دؤوباً، وتطويراً مستمراً، ورؤية مستقبلية واضحة. فالوطن الذي تأسس على قيم راسخة، واستطاع أن يصمد أمام التحديات، جدير بأن نواصل مسيرته بعزم وثقة.

وفي الختام، فإن يوم التأسيس ليس مجرد احتفال، بل هو دعوة للتأمل والعمل. هو تذكير بأن البناء عملية مستمرة، وأن كل جيل مسؤول عن إضافة لبنة جديدة في هذا الصرح الشامخ. وبينما نحتفي بالماضي ونفخر به، فإن أعيننا تتجه إلى المستقبل، حاملين رسالة الآباء، ومؤمنين بأن المملكة ستظل – بعون الله – نموذجاً في العز والاستقرار والتنمية المستدامة، ما دام أبناؤها متمسكين بقيمهم، عاملين بإخلاص، ومؤمنين بأن البناء على البناء هو الطريق الأمثل لصناعة الغد.

د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري

وزير الثقافة و الإعلام السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى