المقالات

صناعة السعادة

السعادة هدف نسبي؛ فما يسعد زيدًا قد لا يسعد عمروًا، وما يرضي هذا قد لا يرضي ذاك. فالبعض يراها سكينة وطمأنينة في النفس، وآخرون يرونها سعة في المال وصلاحًا في البنين، وهناك من يراها في الوجاهة الاجتماعية، وغيرهم يرونها في النجاحات العملية. لذلك فكل امرئ يراها تعكس تطلعًا وهدفًا لم ينله، وتتوق نفسه للوصول إليه.

فعندما يعترض تحقيق سعادة المرء أي حائل، فإن محاولة إزالته باجتثاثه، أو بإحلال عامل مضاد يُخفي أثره المعيق، هو القرار المناسب لتحقيق الهدف.

وفي رحلة البحث عن السعادة يتساوى الناس في طلبها، ويختلفون في طريقة البحث عنها، ويتباينون في نيلها. لذلك يبدأ مسار هذه الرحلة من محطة (الهجر والهجرة).

فهجر المعاصي، والهجرة إلى الطاعات، يحققان السعادة والبركات؛ فالهجر والهجرة هنا هما مقدمات النتيجة التي هي السعادة.

ومن اليقين سلفًا أن هناك مسببات لحجب السعادة؛ فمن جهلها دام الحال عليه، ومن علمها فقد ضخ في عزيمته الرغبة لتحقيق ذلك الهدف. وبعيدًا عن الإغراق في التفصيل، فإن المرء يحتاج إلى جرعة عالية من الإرادة للتمرد على مشاعر الانكفاء على الذات، والتسليم بديمومة الحال، وزعزعة الالتزام الوهمي بالواقع النفسي الذي يجعله بعيدًا حتى عن محاولة التفكير في الهجر والهجرة سعيًا لصناعة سعادته وفق معاييره.

فمن أراد سكينة النفس فعليه بهجر الحسد، والهجرة إلى محبة الخير للناس، ومن أراد محبة الناس فعليه هجر قطيعتهم، والهجرة إلى التسامح والتواصل معهم. وهكذا تتشكل خارطة الطريق إلى كنز السعادة؛ فما يعيق سعيك للسعادة اهجره، وهاجر إلى نقيضه للوصول إلى هدفك، سواء كان ذلك الهدف من أهداف الآخرة — وهو الأسمى والأبقى — أو من أهداف الدنيا — وهو غير الدائم والأدنى.

والسؤال الذي يطفو فوق أسطر ما تقدم هو: هل الهجر يدفع إلى الهجرة، أم أن الهجرة تصنع الهجر؟ بمعنى أكثر وضوحًا: لو هجر المرء سلوكًا سلبيًا، فهل يكون ذلك سببًا مباشرًا للهجرة إلى سلوك إيجابي مضاد؟ أم أن الهجرة إلى سلوك إيجابي قد تكون سببًا مباشرًا في هجر سلوك سلبي؟ وتبعًا للنتيجة، ففي كل الأحوال أيُّ الخيارين طغى فحتماً سيفضي إلى محاولة إيجابية في اتجاه بوصلة الهدف.

نسأل الله أن يحقق لكل من اجتهد في صناعة سعادته المشروعة نصيبًا وافرًا من النجاح.

د. جمعان بن رقوش

رئيس جامعة نايف للعلوم الأمنية سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى