لم يكن معالي الإنسان عبدالعزيز الخضيري عاديًا في حضوره وبهائه، فضلًا عن حُسن إدارته وقوة إرادته. فهو غيمة ماطرة بالخير والحب والجمال، يأتينا خيرها أينما حلّت وارتحلت. غيمة جمعت خصب القصيم وعلو الجنوب ونماء الساحل الغربي، فتكوّنت خلطة وطنية بديعة.
كنت، قبل أن ألتقي به، أسمع بمصطلح (رجل عملي)، لكنني لم أرَه بعيني حتى وجدته أمامي، فتجلّت كل معاني هذه المقولة. حينها رأيت فيه عددًا من الرجال الأمناء في رجل واحد، وكأنه يتمثل قول الشاعر:
(أنا قبيلة عشاق بكاملها)،
لكنه عشق من نوع آخر ساقه إلى البذل والتضحية، ونزعه من حب الذات والملذات إلى حب الحياة والجمال والعمل الدؤوب والتنمية، وإعطاء كل شيء حقه من الاهتمام والالتزام، بما في ذلك حب الناس والدين والوطن.
سألته ذات لقاء تلفزيوني جمعني به: كيف له أن يوزع مهامه على كل الأعمال المنوطة به، وهو مسؤول عن عدد من اللجان فوق مسؤوليته كوكيل لأمير المنطقة؟ وكيف يجد متسعًا من الوقت للقراءة والكتابة والتأليف في ظل كل تلك المشاغل؟ فأشار إلى نقطة واحدة، وهي الالتزام التام، بما في ذلك الالتزام الديني والأسري والمجتمعي، وحتى النوم والاستيقاظ، ثم التعود على ذلك، يقينًا منه بأن:
(لكل امرئٍ من دهره ما تعوّدا)، كما يقول المتنبي.
حين اختاره الأمير خالد الفيصل ليكون معه في إمارة عسير، كان يعرف جيدًا أنه اختار القوي الأمين. فكان من الصعب عليه أن يتركه وراءه في عسير حين تم تعيينه في إمارة منطقة مكة المكرمة، وهو لم يمضِ سوى عدة أشهر؛ فأخذه معه إلى مكة، وكلفه بعدد من الملفات المهمة فيها.
وظلت هذه التوأمة بين الأمير والدكتور الخضيري، حتى تم تكليف الأمير بوزارة التعليم في أواخر عهد الملك عبدالله — رحمه الله — وتم تكليف الدكتور بوزارة الإعلام. ومع كل هذه الالتقاءات والافتراقات، استفادت المنطقة من تجربته وجودة عمله، وقد أسهما — بلا شك — في إعداد الخطة العشرية لمنطقة مكة المكرمة، وعملا معًا فيما يخدم الصالح الوطني العام.
لم يكن الدكتور الخضيري ليصل إلى ما وصل إليه لولا أنه كفاءة وطنية اشتغلت على نفسها تأسيسًا وتطويرًا بكل ما من شأنه أن يجعلها متفوقة وطليعية. ومن يقرأ مؤلفاته العديدة يجد أنه كان مفتونًا بالثقافة والشعر والأدب والقراءة والاطلاع، وهذه العادة بحد ذاتها كفيلة بصناعة رجل مختلف، فكيف به وقد صقلته الحياة وصنعته المهام المنوطة به؟
تلك الثقافة وذلك الوعي كانا كفيلين بإخراجه بسلام وأمن كاملين من كثير من المعوقات التي واجهته في تنمية منطقة مكة والتعامل معها كما يتعامل الكبار والمثقفون الذين يتكئون على أرض صلبة وقاعدة متينة.
وإذا كانت النفوس كبارًا
تعبت في مرادها الأجسام
ومع كل ذلك، وفي كل الأحوال — وهو ما دفعني لكتابة هذه الكلمات القليلة في حقه — فإن الدكتور الخضيري يتمتع بشخصية على قدر كبير من التواضع والبساطة وأخلاق الرجال الواثقين بالله وبأنفسهم. وقد شهدت ذلك حين رأيته في المنتدى السعودي للإعلام بالرياض، ورأيت كيف يستقبل تلامذته ومحبيه بشوق كبير، ربما ليعلمنا كيف يكون الفارق بين الكبار والمتكبرين.
كنت خارجًا من إحدى جلسات المنتدى، فرأيت هذا الرجل في آخر القاعة وهو يبتسم لي، فاقتربت منه لأقرأ ملامحه، فإذا به الدكتور الخضيري. ولعلي أصبت بشيء من الزهو وأنا أسلم عليه، وأعجب كيف تمكن من معرفتي وأنا لم ألتقِ به إلا مرة واحدة قبل عدة سنوات حين استضفته في برنامج تلفزيوني مباشر من جدة.
ولعل ما زاد من إكباري له أنه بادر إلى تصحيح ارتدائي لبطاقة المنتدى التي كنت ألبسها بطريقة خاطئة، ولم ينبهني إليها أحد قبله من زملائي الذين رافقوني طيلة اليوم. وهنا أدركت سر رفعة هذا الرجل:
تواضع تكن كالنجم لاح لناظرٍ
على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تك كالدخان يعلو بنفسه
إلى طبقات الجو وهو وضيع
الدكتور الخضيري — بإيجاز — هو ذلك الامتداد الجميل لجيل العمالقة والرواد ممن تركوا بصمات جلية في تضاريس الوطن، ونقشوا أسماءهم في أخاديد الزمن، أمثال الدكتور غازي القصيبي — رحمه الله.
