كان لقاء الدكتور معجب الزهراني مع المديفر في برنامج «الليوان» استدعاءً لزمن من الذاكرة الشخصية والثقافية. أعادني الحوار إلى أمسيته الأولى في أحد متاحف الباحة، مسقط رأسه، حين رأيته للمرة الأولى وأنا أحمل عنه صورة ذهنية مشوشة صاغتها أحاديث يغلب عليها التحفّظ والتحذير.
لكن تلك الصورة تلاشت منذ اللحظة التي بدأ فيها حديثه؛ كان هادئًا، عميقًا، واضح الفكرة، وفي الوقت ذاته لا تغيب عنه روح الدعابة والطرفة. جسّد حضوره معنى المثقف الذي يزن كلماته، وينطلق من تجربة إنسان عاش بين بيئتين مختلفتين دون أن ينفصل عن جذوره الأولى.
ومع استقراره في المنطقة، لم يكن وجوده مجرد إضافة اسمية إلى الفعاليات الثقافية، بل تحوّل إلى طاقة محفّزة عززت الاهتمام بالتراث والآثار والطبيعة والفنون بوصفها مكونات حيّة في روح المكان.
وزادني فضولًا أنه القادم من باريس، حيث درس وتولّى رئاسة المعهد العربي الفرنسي؛ فتابعت حضوره الإعلامي وقرأت عددًا من كتبه ومقالاته، فاكتشفت أنني أمام ما هو أبعد من ناقد أدبي أو باحث جمالي؛ بل أمام مفكر عربي يحمل تصورًا حضاريًا يتجلّى في دعوته إلى الحوار بين الثقافات، وفي إلحاحه على البعد التنويري في الفعل الثقافي، وربطه الدائم بين الثقافة وأسئلة الحاضر المعرفية والتقنية في زمن التحولات المتسارعة.
إن معجب الزهراني، في تقديري، ليس مجرد اسم في المشهد الثقافي، بل حالة فكرية يعبّر عنها عقل فاعل خلّاق، وهو من أولئك الذين لا يطلبون من متلقيهم الاتفاق بقدر ما يدفعونهم إلى التفكير.
وما تعلمته من الاقتراب من تجربته أن قيمة المثقف لا تُقاس بمدى تطابقنا أو اختلافنا معه، بل بقدر ما يوقظ فينا من أسئلة تظل ترافق وعينا، وتعيد تشكيل نظرتنا إلى الأشياء.






