✍️ جمعان البشيري
في مقال د. عبدالعزيز حسين الصويغ “صحيفة مكة الإلكترونية “
حين قرأتُ “أنا وقهوتي والكنكة”، الذي نشر في صحيفة مكة الإلكترونية في العاشر من رمضان الموافق 28-2- 2026 ،
رابط المقال :
أنا … وقهوتي والكنكة !! – صحيفة مكة الإلكترونية
لم أقرأ مقالًا عن مشروبٍ يُرتشف بعد الإفطار، بل قرأتُ سيرة دفءٍ يُسكب في الفناجين كما تُسكب المحبة في القلوب. كانت الكنكة الصغيرة التي حملتها الشقيقة في حقيبتها أكبر من حجمها؛ لأنها لم تكن نحاسًا يلمع، بل ذاكرةً تمشي على قدمين، وطقسًا يحرس ما تبقّى من ثباتٍ في عالمٍ سريع التبدّل.
غير أنّ للقهوة في وجداننا العربي تاريخًا يتجاوز “الكنكة” وطقسها الفردي، إلى مقامٍ أرفع وأعمق… مقام المجالس، حيث كان الفنجان عهدًا، والسكب رسالة، والامتناع موقفًا.
فالقهوة العربية… مجلسًا وموقفًا
فلم تكن القهوة العربية في مجالس الشيوخ مجرّد شرابٍ يُقدَّم للضيف على سبيل الإكرام، بل كانت طقسًا سياديًا يُدار بحكمة، وتُقرأ تفاصيله كما تُقرأ العهود.
في تلك المجالس، لم يكن الضيف يشرب القهوة إلا بعد أن يُستمع إلى طلبه، وتُفهم حاجته، ويُلبّى مقصده إن كان في مقدور الشيخ. كان الفنجان — في بعض الأعراف — إعلان قبولٍ ضمني، أو ختم رضًا على ما جاء الوفد من أجله.
ولذلك، كان الامتناع عن الشرب أحيانًا لغةً لا تقل فصاحة عن البيان. يظل الفنجان في اليد، أو يُعاد برفق، حتى تُقضى الحاجة أو يُؤخذ الوعد. إنها “دبلوماسية الفنجان”، حيث تتقدّم القهوة خطوةً، ويتقدّم الشرف خطوتين.
وهنا تتجلّى المفارقة الجميلة بين “كنكة” الشقيقة في مقال الدكتور، وبين “دلة” الشيخ في مجلسه؛ فكلتاهما تقولان الشيء نفسه بلغة مختلفة:
القهوة ليست مشروبًا… بل موقف.
بين الفنجان والقبلة… وبين الفنجان والوعد
في المقال، كانت القهوة جسرًا قصيرًا بين فنجانٍ وقبلة، بين يدٍ تصنع ويدٍ تمتدّ امتنانًا.
وفي المجالس الكبرى، كانت جسرًا بين مطلبٍ واستجابة، بين قبيلةٍ وأخرى، بين خصومةٍ تُطوى وصفحةٍ تُفتح.
ذلك أن القهوة في ثقافتنا لا تُستعار جاهزة، كما تفضّل الكاتب، بل تُصنع على نارٍ هادئة بيدٍ تعرف لمن تُعدّها.
وهي كذلك لا تُشرب عابرةً؛ بل تُرتشف كما يُرتشف الكلام الموزون، وتُدار كما تُدار الشؤون الجليلة.
ولعل أجمل ما في القهوة العربية أنها جمعت بين العاطفة والسياسة، بين القبلة البريئة في المطبخ، والقرار الحاسم في صدر المجلس.
هي أنثى حين تُغنّى في صوت أسمهان،
وشيخ وقور حين تُدار في صدر الخيمة.
القهوة… كانت ومازالت هوية لا عادة
حين أدرجت منظمة اليونسكو القهوة العربية ضمن قوائم التراث غير المادي، لم تكن تحتفي بطعم البنّ ولا برائحة الهيل فحسب، بل تحتفي بفلسفة كاملة في إدارة العلاقات.
فالفنجان الأول للضيف،والثاني للكيف، والثالث للسيف..!ولكل واحدٍ منها دلالته، ومقامه، ومسؤوليته.
لهذا، لم تكن الكنكة التي حملتها شقيقة الدكتور إعلانًا عن “استقلال المزاج” فقط، بل امتدادًا لذاكرة جميلة تقول:
إن بعض الطقوس الصغيرة تحفظ لنا إنسانيتنا،كما تحفظ الطقوس الكبرى هيبة مجالسنا.
في خاتمة ردي على نارٍ هادئة في نهاية مقال الدكتور، كانت القهوة تُصنع بيدٍ تعرف لمن تُعدّها.وأضيف:
وكانت تُشرب في مجلس الشيخ حين يعرف الجميع لماذا حضروا، ولماذا سُكبت، ولماذا ارتفعت الأيادي بالفناجين.
القهوة العربية ليست شرابًا يملأ الفم، بل وعدًا يملأ المجلس.
وإن كان الطريق في المقال قصيرًا بين فنجانٍ وقبلة، فهو في تاريخنا أطول بين فنجانٍ ووفاء.
وهكذا تبقى القهوة – كما المحبة، وكما الشرف – لا تُدار باللوائح، ولا تُقاس بالمسافات، بل تُحفظ في الذاكرة،
وتُسكب في اللحظة التي تستحقها






