المقالات

أنا … وقهوتي والكنكة !!

زارتني شقيقتي لنفطر معًا في هذا الشهر الفضيل. جلسنا حول المائدة، ومعنا ابنتها، وحفيدة العائلة التي لا تكف عن السؤال عن “جدو زيزو”. كان اللقاء بسيطًا، لكنه مشبع بذلك الدفء الذي لا تصنعه المجالس الرسمية، بل تصنعه القرابة حين تجتمع دون مناسبة سوى المحبة.
بعد الإفطار، أخرجت شقيقتي من حقيبتها “كنكة” صغيرة وقرطاسًا فيه قليل من البن.
سألتها مبتسمًا:
أفهم أن القهوة مزاج، وأن لكل شخص خلطته الخاصة… لكن لماذا تحملين الكنكة معك؟
قالت ببساطة:
“لأن القهوة لا تكتمل إلا إذا صنعتها بيدي.”
في تلك اللحظة أدركت أن الأمر لم يكن عن القهوة وحدها، بل عن السيطرة على طقس صغير يمنح الإنسان شعورًا بالثبات وسط عالم متغير.
أصررت أن أعدّ لها القهوة بنفسي. ذهبنا معًا إلى المطبخ، صنعت الفنجان، وعدت به إليها، وختمت اللحظة بقبلة على جبينها امتنانًا لزيارتها.
عندها شعرت أن الصيام قد اكتمل بمعناه الأوسع:
ليس امتناعًا فقط… بل حضورًا إنسانيًا.
ولأن القهوة في وجداننا ليست مشروبًا فحسب، بل حالة وجدانية، تسللت إلى ذهني كلمات غنتها أسمهان من شعر مأمون الشناوي وألحان فريد الأطرش:
قهوة … يا مين يقول قهوة
اسقيه بإيدي القهوة
من إيدي لو تشرب فنجان
تلقى فيه السلوى
والدنيا تصبح حلوة
في هذا المعنى تحديدًا، لا تكون القهوة مشروبًا… بل وسيلة عاطفية.
فالذي يقدم لك القهوة لا يمنحك دفئها فقط، بل يمنحك شيئًا من ذاته.
وهنا يصبح الطريق قصيرًا بين فنجان وقبلة.
ولعل هذا ما جعل الغناء العربي يربط بين العاطفة والاقتراب الجسدي البريء، كما في أغنية غنتها أم كلثوم من كلمات بيرم التونسي وألحان زكريا أحمد:
حلال القبلة ولا حرام؟
لم يكن السؤال فقهياً بقدر ما كان وجدانيًا:
متى تتحول اللمسة إلى لغة؟
ومتى يصبح القرب أصدق من الكلام؟
وهكذا، حين نتأمل القهوة، نجدها ليست شرابًا، بل طقسًا اجتماعيًا عريقًا.
تشير دراسات الأنثروبولوجيا الثقافية إلى أن مشاركة المشروبات الساخنة في المجتمعات الشرقية كانت دائمًا وسيلة لتأكيد الروابط الاجتماعية وتعزيز الألفة داخل الجماعة.
وقد ارتبطت القهوة تحديدًا في العالم العربي بمفاهيم الكرم، والمصالحة، وبناء العلاقات، حتى أصبحت جزءًا من “الدبلوماسية الاجتماعية” اليومية.
لهذا، لم تكن الكنكة التي حملتها شقيقتي مجرد أداة.
كانت إعلانًا صغيرًا عن استقلال المزاج…
وتمسكًا بطقس شخصي…
وإصرارًا على أن بعض الأشياء لا تُفوَّض.
ربما لهذا أيضًا، ظل الفن يسخر من تحويل العلاقات الإنسانية إلى معاملات رسمية، كما فعلت سعاد حسني حين ردّت بطريقتها الساخرة على تدخل مديرها في حياتها الشخصية قائلة:
“يحموك في كنكة!”
وكأنها تقول:
دعوا المشاعر تُصنع في أوانيها الخاصة…
فلا كل دفء يُدار باللوائح،
ولا كل قرب يُقاس بالمسافات.
في النهاية، تبقى القهوة — مثل المحبة —لا تُستعار جاهزة،
بل تُصنع على نار هادئة… بيدٍ تعرف لمن تُعدّها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى