المقالات

الخليج في قلب العاصفة؟!

في ظل التوترات المتزايدة، يتردد صدى عبارة “ليست حربنا” بلغات متعددة حول العالم. لقد أقدمت الولايات المتحدة، بدفع من إسرائيل، على خوض حرب تفتقر إلى أهداف واضحة، ولا تتمتع بشرعية دولية، بل إنها – كما يرى خبراء القانون الدولي – تُبنى على أنقاض ميثاق الأمم المتحدة والنظام العالمي الذي نشأ بعد عام 1945.

كان إشعال هذه الحرب أمرًا سهلًا، لكن إخمادها أصبح خارج السيطرة. يومًا بعد يوم، تتصاعد الأصوات في الشرق والغرب لتؤكد فشل الحرب ضد إيران، في ظل غياب استراتيجية أمريكية واضحة للانسحاب.

تصريحات الرئيس ترمب حول تدمير القدرات العسكرية الإيرانية تبدو مبالغًا فيها، أو ربما تمهيدًا لإنهاء الصراع. ولم يعد أمام الولايات المتحدة سوى خيارين: إما الانزلاق في فخ التصعيد نحو مزيد من الدمار، أو الانسحاب.

في الوقت ذاته، يتعمق الانقسام داخل الكونغرس الأمريكي، وفي صفوف الإدارة نفسها، ويمتد هذا الاستقطاب إلى النخب والشارع. ووفقًا لأحدث استطلاعات الرأي، أعرب 68% من الأمريكيين عن اعتقادهم بأن أهداف الحرب غير واضحة، ما يلقي بظلال ثقيلة على مستقبل الحزب الحاكم.

أما بالنسبة لإسرائيل، فقد نجح رئيس الوزراء في جرّ ترمب إلى هذا الصراع، الذي يُعد حلقة في نزاع ممتد منذ 47 عامًا. ولم يُخفِ نتنياهو نواياه في مواصلة الصراع، بما يعكس تصعيدًا يتجاوز الأهداف المعلنة.

أما دول الخليج، التي تُعد المتضرر الأكبر من تداعيات هذه الحرب التي امتدت شرارتها إلى الجميع، فمن حقها أن تعبر عن قلقها تجاه جميع الأطراف المعنية. فهذه الحرب – في نظر كثيرين – فرضتها حسابات ضيقة، في حين عززت طهران المخاوف الخليجية من خطورة أدواتها العسكرية، بعد استهداف منشآت الطاقة والمؤسسات المدنية في المنطقة.

وفي موازاة ذلك، تنشط آلاف الحسابات المزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي، بهدف التحريض وزرع الفرقة، وترويج سرديات متناقضة حول موازين القوة، في مشهد يعكس تصاعد حرب المعلومات.

اليوم، تجد الولايات المتحدة نفسها عالقة في تعقيدات المشهد الإيراني، في وقت لم تفلح فيه قدراتها العسكرية في تحقيق الاستقرار الكامل في المنطقة. كما أن استمرار موجات الصواريخ والطائرات المسيّرة يعكس واقعًا ميدانيًا معقدًا، يتجاوز الروايات الرسمية حول تدمير القدرات.

أما الدعوات الأمريكية والإسرائيلية للشعب الإيراني للتحرك، إلى جانب البحث عن تحالفات لمرافقة ناقلات النفط في مضيق هرمز، فتُقرأ لدى البعض كإشارة إلى ضغوط متزايدة ومحاولات لإعادة ترتيب المشهد.

في المقابل، تبرز في الخليج دعوات للانتقال من استراتيجية ضبط النفس إلى بناء منظومة أمن جماعي خليجية، لا تستهدف طرفًا بعينه، بل تهدف إلى حماية المصالح وتعزيز الأمن القومي للدول الست.

وفي هذا السياق، تبدو المملكة العربية السعودية مرشحة لقيادة مرحلة إعادة هيكلة مجلس التعاون الخليجي، نظرًا لما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي واستراتيجي. كما أن توجهاتها الحالية، بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تعكس سعيًا لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية وتعزيز العمل الخليجي المشترك.

السعودية قادرة – بما تملكه من أدوات – على موازنة المصالح بين الدول الخليجية، وبناء الثقة، وتحويل التنافس إلى تكامل، بما يعزز من تماسك الخليج في مواجهة التحديات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى