المقالات

درس في الوفاء لا يُنسى

من روائع القصص التي تحمل في طياتها دروسًا عميقة في الوفاء، والأمل، وأثر الإحسان في تغيير مصائر البشر، ما يُروى عن محمد المهلبي، الذي بدأ حياته فقيرًا معدمًا، لا يملك قوت يومه.

اشتد به الفقر يومًا حتى تمنى الموت، وقال أبياتًا مؤثرة يعبّر فيها عن ضيق حاله ويأسه من الحياة:

ألا موتٌ يُباع فأشتريهُ
فهذا العيشُ ما لا خيرَ فيهِ
ألا موتٌ لذيذُ الطعمِ يأتي
يخلّصني من العيشِ الكريهِ
إذا أبصرتُ قبرًا من بعيدٍ
وددتُ أنني مما يليهِ
ألا رحمَ المهيمنُ نفسَ حرٍ
تصدّقَ بالوفاةِ على أخيهِ

رقّ له أحد أصحابه، فأعطاه درهمًا، وكان ذلك الموقف البسيط بذرة خيرٍ لم تذهب سدى.

ومرت الأيام، فأخذ المهلبي بأسباب العمل، واجتهد، حتى تبدلت حاله، وارتقى في المناصب، إلى أن أصبح وزيرًا ذا شأن.

وفي المقابل، ضاقت الحال بذلك الصديق الذي أحسن إليه يومًا، فكتب إليه مذكّرًا بلطف بذلك الماضي، قائلاً:

ألا قل للوزير فدته نفسي
مقالَ مذكّرٍ ما قد نسيهِ
أتذكرُ إذ تقولُ لضنك عيشٍ
ألا موتٌ يُباع فأشتريهِ؟

فلما قرأ المهلبي الرسالة، لم ينسَ ذلك المعروف القديم، فأمر له بسبعمائة درهم، وكتب تحت رسالته قول الله تعالى:

“مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم”.

ولم يكتفِ بذلك، بل قلّده عملًا يكفل له حياة كريمة.

إنها قصة تختصر معنى الوفاء، وتؤكد أن الإحسان لا يضيع، وأن المعروف يبقى أثره مهما طال الزمن.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى