المقالات

الورد والسيرة حين يتكلم العطر بلسان التاريخ

بقلم – الإعلامي عبدالله الذويبي .

ليست الطائف مجرد مدينة ورد كما اعتدنا أن نردد بل هي ذاكرة حية تختلط فيها رائحة الأرض بعبق السيرة، وتتشابك فيها الطبيعة مع التاريخ في لوحة لا يمكن فصل أجزائها.

هنا لا يُقطف الورد فقط من حقوله بل يُقطف معه معنى الانتماء و يُستعاد من خلاله عمق الحكاية.

ومع كل موسم من مواسم #مهرجان_الطائف_للورد تتجدد الصورة لكن يبقى السؤال: هل نكتفي بعرض الجمال أم نُحسن توجيهه ليحكي قصة؟ فالجمال إذا لم يُروِ حكاية يظل ناقص الأثر عابراً في الذاكرة.

من هذا المنطلق لا يبدو الربط بين ورد الطائف ومواقع السيرة النبوية مجرد فكرة سياحية عابرة بل مشروع معنى يعيد تعريف التجربة برمتها.

حين يمتد عبير الورد ليصل إلى مسجد عبدالله بن عباس، ويتسلل إلى مساجد المثناة ويعانق أطراف ديار بني سعد حيث مسجد حليمة السعدية ومسقطها في بني سعد فإننا لا نقدم ورداً فحسب بل نقدم سياقاً نُعيد فيه وصل الحاضر بأشرف سيرة عرفها التاريخ.

إن استحضار مسقط حليمة السعدية في بني سعد ليس مجرد إضافة جغرافية بل استدعاء لواحدة من أعمق المحطات في السيرة النبوية حيث بدأت ملامح الطفولة المباركة للنبي ﷺ في أحضان البادية.

هناك حيث الصفاء الأول والبساطة التي صنعت أعظم سيرة يمكن للورد أن يؤدي دوراً مختلفاً أن يكون شاهداً على البدايات وحاملاً لذاكرة المكان ووسيطاً يربط الزائر بجذور القصة لا بظلالها فقط.

الزائر الذي يأتي إلى الطائف بعد أداء نسكه في مكة المكرمة لا يبحث عن مشهد جميل فقط بل عن امتداد روحي عن لحظة سكون تُكمل رحلته الإيمانية. وهنا تحديداً تتجلى الفرصة: أن يكون الورد رسالة استقبال وأن تكون رائحته امتداداً لذاكرة المكان.

أن يدخل الزائر إلى موقع تاريخي فيجد الورد حاضراً لا كزينة، بل كرمز… كتحية صامتة تقول: هنا مرّ التاريخ وهنا تُستعاد البدايات.

إن توزيع الورد في هذه المواقع وخاصة في قرية حليمة السعدية ليس عملاً بروتوكولياً بل فعل ثقافي عميق يعكس وعينا بقيمة المكان وقدرتنا على تقديمه بصورة تليق به.

هو انتقال من “عرض منتج” إلى “صناعة تجربة” ومن مشهد بصري إلى أثر وجداني يبقى طويلاً بعد مغادرة المكان.

وهنا تتشكل ملامح هوية سياحية مختلفة؛ سياحة لا تكتفي بأن تُرى بل تُعاش.

سياحة تمزج بين قدسية السيرة وثراء الطبيعة، فتخلق ذاكرة مزدوجة: تُرى بالعين وتُحفظ في القلب.

رائحة الورد في الطائف ليست مجرد عطر بل لغة… وحين تتحدث هذه اللغة في حضرة التاريخ، فإنها تصبح أبلغ من أي وصف.

الطائف اليوم أمام فرصة ذهبية ليس فقط لتأكيد مكانتها كعاصمة للورد بل كوجهة تُتقن رواية قصتها. قصة تبدأ من الأرض وتمر بالسيرة وتعود إلى البدايات الأولى في بني سعد ثم تستقر في وجدان كل زائر.

فالورد في النهاية ليس مجرد زهرة… بل رسالة.
وحين نحسن توجيه هذه الرسالة فإننا لانزين المكان فقط بل نُخلده.

‏⁧‫

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى