
أعاد قرار جامعة الملك سعود بتقليص بعض التخصصات الإنسانية طرح سؤال جوهري: هل حان الوقت لإعادة توجيه التعليم بما يتوافق مع احتياجات سوق العمل، أم أن ذلك يأتي على حساب دور الجامعة المعرفي؟
الواقع يشير إلى تكدّس أعداد كبيرة من خريجي هذه التخصصات دون فرص وظيفية كافية، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، رغم ما تحمله هذه التخصصات من قيمة معرفية وثقافية لا يمكن إنكارها.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن إغفال أن جزءًا من الإقبال على هذه التخصصات لا يأتي دائمًا بدافع الرغبة، بل نتيجة محدودية الخيارات التي تفرضها نسب القبول، وهو ما ينعكس لاحقًا على مستوى المخرجات وفرص التوظيف. كما أن هذه التخصصات لا تختفي من المشهد الأكاديمي، إذ لا تزال متاحة في جامعات أخرى.
وقد أثار البيان التوضيحي الصادر عن الجامعة حالة من الجدل، حيث وصفه داوود الشريان بالغموض، معتبرًا أنه لم يوضح حقيقة القرارات بشكل كافٍ، فيما رأى فهد الحارثي أن ربط الإلغاء بعزوف سوق العمل يمثل اختزالًا لدور الجامعة، التي يفترض أن تضطلع بمهمة بناء الإنسان وصناعة الوعي، لا أن تقتصر على تأهيل الوظائف.
في حين يرى مؤيدو القرار أنه يعكس توجهًا واقعيًا لمواكبة التحولات الاقتصادية، وضرورة إعادة توجيه المسارات التعليمية بما يتناسب مع الاحتياجات الفعلية لسوق العمل.
ومن هذا المنطلق، أرى أن القرار يتسق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تؤكد على أهمية المواءمة بين التعليم وسوق العمل، بوصفها ضرورة ملحة للحد من البطالة وتعزيز كفاءة المخرجات التعليمية.
وفي المحصلة، يبقى التحدي في تحقيق التوازن بين الحفاظ على قيمة التخصصات الإنسانية، والاستجابة لمتطلبات المرحلة، بما يضمن تعليمًا نوعيًا يواكب التنمية دون الإخلال بدور الجامعة في بناء الوعي.


