المقالات

الجامعات بين قبضة السوق ورسالة المعرفة: من يصوغ وعي الإنسان؟

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتقنية، تتعرض الجامعات حول العالم لاختبارٍ جوهري يتصل بهويتها ووظيفتها التاريخية: هل هي مؤسسات لإمداد سوق العمل بالكوادر البشرية فحسب، أم منارات معرفية تصنع الوعي، وتُنتج الفكر، وتؤسس للفهم العميق للإنسان والمجتمع؟

هذا السؤال لم يعد نظريًا، بل بات حاضرًا في السياسات التعليمية، وخطط التمويل، وحتى في تقييم التخصصات الأكاديمية.

لقد نشأت الجامعات تاريخيًا بوصفها فضاءاتٍ حرة للبحث والتفكير، تُعنى بإنتاج المعرفة وتراكمها، بعيدًا عن الإملاءات الضيقة، وكانت رسالتها الأسمى تتمثل في بناء الإنسان القادر على النقد والتحليل، لا مجرد العامل القادر على التنفيذ. ومن هذا المنطلق، فإن حصر دور الجامعة في “مواءمة مخرجاتها مع سوق العمل” يُعد اختزالًا مخلًّا، يُفرغها من بعدها الحضاري والإنساني.

لا شك أن التفاعل مع احتياجات الاقتصاد أمرٌ مهم، لكن تحويله إلى الغاية المركزية يهدد بتقويض استقلالية الجامعة، ويجعلها رهينة لدورات السوق وتقلباته، فالأسواق بطبيعتها آنية ومتغيرة، بينما المعرفة بطبيعتها تراكمية واستشرافية. وما قد يبدو “غير مطلوب” اليوم، قد يصبح ضرورة ملحّة غدًا.

وفي هذا السياق وعلى سبيل التمثيل لا الحصر، تتعرض بعض التخصصات الإنسانية والاجتماعية مثل علم الاجتماع وعلم النفس لانتقاداتٍ متكررة بوصفها “غير عملية” أو “بعيدة عن سوق العمل”، غير أن هذا الطرح يغفل الدور العميق الذي تؤديه هذه العلوم في فهم الظواهر المعقدة التي أفرزتها الحداثة، وعلى رأسها التحولات المرتبطة بالرأسمالية المعاصرة، فالتسارع الاقتصادي، وأنماط الاستهلاك، وضغوط الإنتاجية، كلها عوامل تركت آثارًا واضحة على التوازن الاجتماعي والنفسي للأفراد والمجتمعات. وهنا يبرز دور علم الاجتماع في تحليل البنى والعلاقات، ودور علم النفس في تفكيك أنماط السلوك والاضطرابات، بما يسهم في صياغة سياسات أكثر اتزانًا وإنسانية.

إن تهميش هذه التخصصات لا يعني فقط إضعافها، بل ينعكس سلبًا على قدرة المجتمعات على فهم ذاتها. فالأزمات الاجتماعية، من تفكك أسري إلى عزلة رقمية، لا يمكن معالجتها بأدوات اقتصادية أو تقنية بحتة، بل تتطلب فهمًا متعدد الأبعاد، تُسهم فيه العلوم الإنسانية بدورٍ محوري.

أثر هذا التحول في الجامعات الغربية: دروس من أمريكا وأوروبا

لم تكن الجامعات في الولايات المتحدة وأوروبا بمنأى عن هذه التحولات؛ بل كانت في طليعة من خاض هذا المسار، بما يحمله من فرصٍ وتحديات. فقد شهدت العقود الأخيرة توسعًا كبيرًا في نماذج “الجامعة الريادية” التي تعزز الشراكات مع القطاع الخاص، وتربط البحث العلمي بالابتكار التجاري.

في الولايات المتحدة، أسهمت تشريعات مثل Bayh-Dole Act في تمكين الجامعات من استثمار مخرجاتها البحثية وتحويلها إلى منتجات وشركات ناشئة، ما أدى إلى طفرة في نقل التقنية وتعزيز الاقتصاد المعرفي. غير أن هذا التوجه، في المقابل، دفع بعض الجامعات إلى إعادة ترتيب أولوياتها البحثية لصالح المجالات ذات العائد الاقتصادي المرتفع، على حساب العلوم الإنسانية.

أما في أوروبا، فقد سعت إصلاحات مثل عملية بولونيا إلى ربط التعليم العالي بسوق العمل وتعزيز قابلية التوظيف، وهو ما أثار نقاشًا واسعًا حول “تسليع التعليم” وتحويل المعرفة إلى سلعة خاضعة لمنطق السوق. وقد انعكس ذلك في تراجع دعم بعض التخصصات الإنسانية، وتزايد الضغوط التمويلية على الباحثين، وتصاعد معيار “الجدوى الاقتصادية” في تقييم البرامج الأكاديمية.

نحو معادلة متوازنة: الجامعة بين السوق ورسالتها المعرفية

أمام هذه التحديات، يبرز خيارٌ أكثر نضجًا يتمثل في تحقيق توازنٍ دقيق بين دور الجامعة في خدمة الاقتصاد، ودورها الأصيل في إنتاج المعرفة وصناعة الوعي. فالعلاقة مع قطاع الأعمال ليست إشكالًا في ذاتها، بل تصبح كذلك حين تتحول إلى علاقة هيمنة تُعيد تشكيل أولويات الجامعة وفق منطق الربح وحده.

وفي السياق السعودي، يمكن تقديم نموذجٍ عملي لتحقيق هذا التوازن من خلال رسم خريطة تخصصية للجامعات، تقوم على استثمار نقاط القوة والتميّز بدل تعميم الأدوار. فمع وجود عددٍ جيد من الجامعات، يلاحظ تباينٌ واضح في تميزها العلمي؛ إذ تتفوق بعض الجامعات في التخصصات العلمية والتقنية، بينما تتميز أخرى في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

ومن هنا، فإن تبني سياسة “التميّز التخصصي” من شأنه أن: يوجّه الموارد نحو تعميق التخصصات التي تمتلك فيها الجامعات ميزة نسبية، يعزز بناء مراكز مرجعية وطنية في مجالات بعينها، سواء كانت علمية تطبيقية أو إنسانية، يمنع تكرار البرامج بشكل نمطي في جميع الجامعات دون جودة أو أثر، يعيد الاعتبار للعلوم الإنسانية، عبر تمكين جامعات بعينها لتكون حاضنةً لها ومصدرًا للإنتاج المعرفي فيها، بدل تهميشها أو إضعافها في جميع المؤسسات.

فبدل أن تسعى كل جامعة لتقديم كل التخصصات، يمكن أن تتجه المنظومة نحو التكامل: جامعات رائدة في الهندسة والتقنية، وأخرى مرجعية في علم الاجتماع وعلم النفس والفلسفة، بما يحقق توازنًا معرفيًا يخدم الإنسان والاقتصاد معًا. إن هذه المقاربة لا تعني الفصل بين العلوم، بل تعني تعميقها وتكاملها، بما يعزز جودة المخرجات العلمية، ويرفع من كفاءة البحث، ويُسهم في بناء مجتمعٍ واعٍ، لا مجرد سوقٍ نشط.

في عالمٍ يزداد تعقيدًا، تظل الحاجة إلى جامعاتٍ حرة، ناقدة، ومتخصصة بعمق أكثر إلحاحًا من أي وقتٍ مضى. فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد الوظائف المستحدثة فحسب، بل بقدرة المجتمع على فهم ذاته، ومواجهة تحدياته، وصياغة مستقبله بوعيٍ ومسؤولية.

إن الجامعة في جوهرها، ليست مصنعًا للوظائف، بل مصنعٌ للأفكار، وإذا فقدت هذه الوظيفة، فقدت مبرر وجودها.

• أكاديمي ومستشار إعلامي

د. سالم عريجة

استاذ الإعلام بجامعة أم القرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى