في زمنٍ تتلاطم فيه الأمواج وتتدافع المتغيرات، حيث ينهض الذكاء الاصطناعي من مهد البرمجيات ليغدو قدراً، وحيث يمتحن المناخ صبر الأرض، وتجوب الأوبئة الحدود دون جواز سفر، يجد العالم نفسه أمام مفترق طرق لا تحكمه الخرائط التقليدية. لم تعد مقاعد القيادة حكراً على الدول بمفهومها السيادي، فقد تقدمت إلى الصفوف الأولى صفوةٌ عابرةٌ للأوطان، تمسك بمقاليد الفهم قبل مقاليد السلطة، وتحوك من خيوط المعرفة والرؤية ما تعجز عنه الجغرافيا وحدها. هنا ينهض “الرهان العالمي على النخبة الدولية” لا بوصفه خياراً ترفياً، وإنما حتميةً أملتها شراسة التحديات وترابط المصائر. فالعالم الذي وحّد الأسواق والاتصالات اكتشف متأخراً أنه لا مناص من توحيد العقول التي تدير هذا التشابك. والنخبة الدولية اليوم ليست صالوناً أرستقراطياً معزولاً، وإنما هي ضميرٌ جمعي حيّ يضم العلماء الذين يفكّون شفرات الطبيعة، وصنّاع السياسات الذين يروّضون الفوضى، وروّاد الأعمال الذين يخلقون من العدم فرصاً، وكلهم يتحركون في فضاءٍ واحد لصياغة أجوبةٍ لأسئلةٍ لم تعد تحتمل إجاباتٍ محلية.
لقد انقلبت صورة النخبة الدولية رأساً على عقب. فبعد أن كانت تُختزل في دوائر مالية أو سياسية تتلاقى خلف الأبواب الموصدة، خرجت من رحم الفواجع الكبرى أكثر نضجاً وأوسع أفقاً. لقد علّمتنا الجائحة أن معركة النجاة لا تدار من غرفة عملياتٍ واحدة، وإنما من نسيجٍ متلاحم ينسجه عالِم في مختبر بجنيف، ومبتكر في بوسطن، ومهندس لوجستي يربط شنغهاي بروتردام، وصندوق سيادي يتحرك بثقة بين الرياض وأوسلو. تلك اللحظة كانت إعلاناً صريحاً: أن النخبة الدولية هي ائتلاف جدارة لا ائتلاف جوازات سفر. وقد صدّق المنتدى الاقتصادي العالمي على هذا المعنى حين أبان أن جلّ المخاطر التي تتهدد الكوكب لا تُفكّك شفرتها إلا بعقول متعددة المشارب، متحدة المقصد. من هنا، غدت الجامعات العابرة للحدود ومختبرات التفكير المشتركة هي المعامل التي تُصاغ فيها سياسات الغد.
وفي صلب هذه المعامل تقف النخبة الأكاديمية، فهي الرافعة التي لا تُرى ومستودع النخب الذي لا ينضب. إنها التي تضع الحلول بمنهجية علمية رصينة حين تضطرب البوصلة، وهي التي تخرّج من قاعاتها من يقودون الحكومات والشركات والمنظمات غداً. التاريخ القريب يشهد أن جامعات مثل MIT وستانفورد وأكسفورد لم تكن مجرد أبراج عاجية، وإنما كانت المشاتل التي أنبتت ثورة الإنترنت واللقاحات والطاقة النظيفة. وبحسب بيانات منظمة اليونسكو، فإن أكثر من 60% من الابتكارات الجذرية المسجلة خلال العقدين الماضيين خرجت من شراكات بين القطاع الأكاديمي والقطاع الصناعي، فيما تشير تقارير “نيتشر” إلى أن الأبحاث متعددة الجنسيات المنشورة في المجلات عالية التأثير تضاعفت 3 مرات منذ عام 2010، لأن تعقيد المشكلات فرض تعاون العقول لا تنافسها. إن الاهتمام بالنخبة الأكاديمية ليس ترفاً ثقافياً، وإنما هو استثمار استراتيجي فيمن يصنعون النخب القادمة. فالأستاذ الذي يشرف اليوم على رسالة دكتوراه في تغير المناخ، يصنع غداً وزير بيئة أو رئيس شركة طاقة. والباحثة التي تفكك شفرة جينوم في مختبرها، ترسم بعد أعوام سياسة صحية لأمة كاملة. لقد أدركت دول كسنغافورة وكوريا الجنوبية هذا الدرس باكراً، فحوّلت جامعاتها إلى محركات نمو، حتى باتت جامعة سنغافورة الوطنية تصنف ضمن الـ10 الأوائل عالمياً، وتساهم بحوثها بـ5% من الناتج المحلي الإجمالي عبر براءات الاختراع والشركات الناشئة.
وفي قلب هذا التحول تقف المملكة العربية السعودية شاهداً وشريكاً. فالرياض لم تعد ترقب موكب المعرفة من الشرفة، وإنما نزلت إلى الميدان صانعةً وجاذبة. لقد جعلت رؤية 2030 من الإنسان والفكرة رأس حربتها، فاستقدمت العقول ووطّنت المراكز ونسجت الشراكات مع أعرق الجامعات وأعتى الشركات. فجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية “كاوست” أصبحت اليوم ضمن الجامعات الأعلى عالمياً من حيث تأثير البحث لكل عضو هيئة تدريس، وفق مؤشر “نيتشر إندكس”، فيما رسّخت جامعة الملك سعود موقعها بدخولها نادي أفضل 150 جامعة عالمية في تصنيف “شنغهاي”، والتحقت بها جامعة الملك عبدالعزيز التي قفزت إلى مصاف الجامعات الـ200 الأوائل عالمياً في تصنيف QS، متصدرةً الجامعات العربية في عدد الأبحاث المنشورة دولياً والاستشهادات المرجعية. هذا الحضور الأكاديمي لم يعد زينة، وإنما رافعة قرار، فمراكز الأبحاث السعودية اليوم شريك أساسي في مبادرات المناخ والطاقة والذكاء الاصطناعي. ولم يعد “مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار” منتدىً للأرقام وحسب، وإنما غدا منبراً عالمياً تتداول فيه النخبة الدولية هموم الطاقة ومسارات الذكاء الاصطناعي وأقدار المدن التي لم تولد بعد. وحين تحتضن المملكة قمةً للذكاء الاصطناعي أو تؤسس كياناً سيادياً للبيانات مثل “سدايا”، فإنها تحجز مقعداً أصيلاً لا مستعاراً على مائدة من يضعون قواعد العصر القادم. والشواهد لا تكذب، فبيانات الأعوام الأخيرة تنبئ بمضاعفة حضور الكفاءات النوعية في حقول التقنية والبحث، وتشهد بارتقاءٍ غير مسبوق في جسور الشراكة العلمية بين جامعاتنا والعالم، إذ تجاوزت الشراكات البحثية الدولية للجامعات السعودية حاجز 120% نمواً منذ إطلاق الرؤية، وارتفع الإنفاق على البحث والتطوير ليقارب 2% من الناتج المحلي مستهدفاً الوصول إلى 2.5%.
غير أن هذا الرهان النبيل لا يمضي على بساطٍ من حرير. فسهام النقد لا تزال تصوّب نحو النخبة الدولية بتهمة الانفصال عن نبض الناس والارتهان إلى “غرف الصدى” التي تردد القول على القول. وقد جاءت هزّات سلاسل الإمداد وعواصف التضخم لتكشف أن بعض النظريات الأنيقة تسقط في أول امتحانٍ مع الواقع، فتغذي بذلك رياح الشعبوية وتريّب الناس في المؤسسات. وعليه، فإن فوز هذا الرهان مرتهن بقدرة النخبة على كسر عزلتها وتوسيع دوائرها وتبني “المسؤولية المؤثرة” مبدأً لا شعاراً. لم يعد المجد للخبير الذي يملك الجواب، وإنما للخبير الذي يتقن الإصغاء ويحسن الترجمة ويجيد وصل ما انقطع. من هنا يولد اليوم طراز “النخبة المتضامنة” التي يجلس فيها باحثٌ من ستانفورد إلى جوار رائدٍ اجتماعي من نيروبي وصانع قرارٍ من الرياض، وأستاذ جامعي من كاوست أو جامعة الملك عبدالعزيز إلى جانب مهندس مناخ من هولندا، لينسجوا معاً حلاً لمحنة الماء أو هاجس الغذاء.
وللإعلام في هذه الملحمة دور الحَكَم والجسر. فهو الذي ينتشل النخبة من صوامعها إلى الفضاء الرحب، وهو الذي يضع أفكارها على محكّ المساءلة ويمنحها شرعية القبول أو يسحبها منها. إن انبثاق المنصات العميقة والبودكاست الرصين قد أقام جسراً بين لغة المختبر ولغة الشارع. فما عاد غريباً أن يفسر أستاذٌ معضلات الاقتصاد لملايين المستمعين في دقائق، وأن تتحول خلاصة بحثٍ رصين إلى رأيٍ عام يطرق أبواب القرار. هذا التماسّ الحي بين النخبة والإعلام والجمهور هو صمام الأمان كي لا ينقلب الرهان إلى مقامرة هوجاء.
إن الرهان العالمي على النخبة الدولية ليس رفاهية اختيار، وإنما هو القدر الذي رسمته طبيعة المعضلات التي تحاصرنا. فكوكبٌ توحّدت أقداره مناخياً وصحياً وتقنياً لا يُقاد بعقولٍ تشتغل في جزرٍ منفصلة. بيد أن هذا الرهان لن يُتوّج بالنصر إلا إذا وُلدت النخبة من جديد. العالم اليوم لا ينتظر نخبةً تملك كل الأجوبة الجاهزة، وإنما ينتظر نخبةً تملك جرأة السؤال الصحيح، وتواضع الإصغاء لجوابٍ قد يأتي من خارج نواديها العتيقة، واقتداراً على تحويل الحبر إلى خبز، والمعادلة إلى كرامة. ومن هذا الأفق، فإن الأمم التي تحسن تشييد الجسور بين أبنائها المبدعين وبين هذه الشبكة الكونية، وتهيئ لهم التربة والثقة والموارد، هي وحدها التي ستمسك بقلم كتابة العقد المقبل. والمملكة العربية السعودية، بما تخطه من إرادة في تمكين الإنسان وتوطين المعرفة واستشراف المستقبل، تتقدم اليوم لا لتطلب مقعداً، وإنما لتثبت أنها المقعد. فالرهان آخر المطاف ليس على أسماء، وإنما على إيمانٍ بأن العقول إذا توحّدت، استحال المستحيل ممكناً. والعالم، وهو يئن تحت وطأة تعقيداته، أحوج ما يكون إلى انتصار هذا الإيمان.
فاليوم أصبح العالم يراهن على النخبة، وفي قلبها النخبة الأكاديمية التي تصنع النخب وترفدها، لأن من يملك المنهج يملك المفتاح، ومن يصنع السؤال يصنع المستقبل.


