أعلنت جامعة الملك سعود عن قرارات إعادة هيكلة طالت عددًا من التخصصات الإنسانية والاجتماعية، في خطوة وُصفت رسميًا بأنها استجابة لمتطلبات السوق ورؤية 2030. لكن ما لم يُدار بالشكل الكافي لم يكن القرار ذاته، بل الطريقة التي فُرض بها على مجتمع أكاديمي لم يُشرَك في صياغته. وفي تلك اللحظة بالذات، تحولت مسألة إدارية إلى أزمة ثقة، وكشفت عن خلل أعمق في الكيفية التي تُدار بها المعرفة داخل الجامعة.
القضية لم تكن يومًا في إلغاء تخصص أو دمج برنامج، بل في السؤال الذي يسبق كل ذلك: من يملك حق تقرير مصير التخصصات؟ وهل يكفي أن يكون القرار صحيحًا إداريًا ليكون مشروعًا أكاديميًا؟ الجامعة ليست شركة تُدار بمنطق الكفاءة فقط، بل كيان معرفي تُبنى شرعيته من داخل قاعاته عبر الحوار والتوافق. وحين يُختزل هذا الكيان في نموذج إداري من أعلى إلى أسفل، فإن النتيجة لا تكون حسمًا، بل فجوة ثقة تتسع مع كل قرار غير مُفسَّر.
الأكاديمي ليس موظفًا ينتظر التعليمات، بل منتج للمعرفة وصاحب رأي في مسارها. وعندما يُستبعد من دائرة التأثير، لا يتحول إلى منفذ مطيع، بل إلى ناقد صامت تتراكم لديه مشاعر التهميش حتى تنفجر في شكل رفض جماعي يُفقد القرار فاعليته، مهما كان منطقيًا على الورق. هنا بالضبط يتحول الفرق بين “قرار صحيح” و”قرار مقبول” إلى مسألة حاسمة.
الجدل حول دور Boston Consulting Group لم يكن مجرد اعتراض على جهة خارجية، بل تعبير عن قلق أعمق يتعلق بحدود الاستعانة بالخبرة العالمية في قضايا تمس الهوية المعرفية المحلية. شركات الاستشارات تنظر إلى المؤسسات من زاوية الكفاءة والعائد، وهي أقل قدرة على استيعاب الأبعاد الرمزية التي تشكل جوهر الجامعة. الخطر ليس في وجود المستشار، بل في هيمنة منطقه. حين يُنظر إلى التخصصات الإنسانية كعبء مالي لا كرافعة للهوية، يفقد القرار توازنه ويتحول من إعادة تنظيم إلى تقليص للمعنى. فاقم الأزمةَ أن القرار لم يُدار تواصليًا بالشكل الذي يليق بحساسيته؛ تسربت المعلومات بشكل جزئي، فامتلأ الفراغ بالتأويلات. في مثل هذه اللحظات، لا يكون الصمت حيادًا، بل عاملًا مضاعفًا لفقدان الثقة.
في المقابل، تقدم Massachusetts Institute of Technology نموذجًا مغايرًا في التعامل مع هذا التوتر بين متطلبات السوق وقيمة العلوم الإنسانية، نموذجًا يزداد أهمية تحديدًا في عصر الذكاء الاصطناعي. قبل أيام قليلة، في أبريل 2026، نشر عميد كلية العلوم الإنسانية والفنون والعلوم الاجتماعية في MIT، الدكتور Agustín Rayo، تصريحًا لافتًا يقول فيه إن “تعزيز العلوم الإنسانية في MIT ليس خروجًا عن مهمتنا الأساسية، بل هو الطريقة التي نضمن بها أن ريادتنا التقنية ستظل ذات معنى في العالم.” لم تتعامل MIT مع العلوم الإنسانية كفائض يجب التخلص منه، بل أعادت تعريف دورها بوصفها شرطًا لازمًا لتقنية مسؤولة.
والأمر لا يتوقف عند الخطاب. منذ تأسيس MIT Schwarzman College of Computing عام 2019، بنت الجامعة جسرًا هيكليًا بين الحوسبة والعلوم الإنسانية، من خلال مقاعد أكاديمية مشتركة بين الكليتين، وبرامج دراسية تدمج الأخلاقيات والفلسفة ضمن مسارات الذكاء الاصطناعي. بل أطلقت مبادرة MIT Human Insight Collaborative (MITHIC) لتعميق البحث في العلوم الإنسانية وربطه بالتحديات التكنولوجية الكبرى. والمبدأ الذي تستند إليه واضح: إذا كان الذكاء الاصطناعي يُحاكي القدرات الحسابية للعقل البشري، فإن العلوم الإنسانية هي التي تُزوّد هذا العقل بالحكم والقيم والسياق — وهو بالضبط ما لا يملكه الذكاء الاصطناعي.
ولذلك اشترطت MIT على كل طالب، بصرف النظر عن تخصصه التقني، إتمام ثمانية مقررات في العلوم الإنسانية والفنون والعلوم الاجتماعية (HASS) للتخرج. ليس ترفًا أكاديميًا، بل لأن، كما يقول رايو: “الذكاء الاصطناعي يُعيد تعريف ما معنى أن تكون مهندسًا متميزًا. ما يبقى للإنسان ليس التنفيذ، بل الحكم على أيّ المهام تستحق التنفيذ أصلًا.” الإنسانيات هي التي تُنتج هذا الحكم، وهذا ما يجعلها عنصرًا استراتيجيًا لا استعراضيًا في مؤسسة تريد أن تكون رائدة في عصر الآلة.
هذا الفارق بين MIT وما جرى في جامعة الملك سعود لا يعكس تفاوتًا في الموارد وحسب، بل اختلافًا في الفلسفة. حين يكون السؤال “ماذا نحذف؟” فإن النتيجة تكون تقليصًا. أما حين يكون السؤال “كيف نُعيد التشكيل؟” فإن النتيجة تكون تطويرًا يحافظ على الجوهر ويواكب التغيير.
الدرس الأصعب من هذه الأزمة ليس أن القرار كان خاطئًا، بل أنه حتى لو كان صحيحًا، فقد ظل قاصرًا عن تحقيق غايته لأنه لم يكسب شرعيته المعرفية. كان بالإمكان تجنب كثير من الاحتقان لو أُشرك الأكاديميون في صياغة الحلول، واستُخدمت الاستشارة الخارجية أداةً داعمة لا بديلًا عن العقل المؤسسي، وطُرحت بدائل أكثر توازنًا كالدمج وإعادة الهيكلة بدل الإلغاء المباشر.
في عالم ترتفع فيه قيمة الحكم والمعنى والسياق الإنساني، لا تستطيع الجامعات أن تختزل نفسها في معايير الكفاءة. المعادلة لم تتغير: لا يكفي أن تقرر، بل يجب أن تُشرك. ولا يكفي أن تُصلح الهيكل، بل يجب أن تحافظ على الروح.
0




