المقالات

منافع الأمة في موسم الحج

في كل عام يجتمع ملايين المسلمين للحج استجابةً لأمر الخالق جل وعلا: “وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ”. وهذه المنافع التي أشار إليها سبحانه وتعالى متنوعة وشاملة للأفراد والمجتمع والأمة، وأعظمها أثرًا وتأثيرًا منافع الأمة التي تتحقق لكافة المسلمين على وجه الأرض، وهي وحدة الأمة وتضامنها كأمة واحدة.

إن هذه المنافع تعبر عن مقاصد في هذا الموسم العظيم تستدعي التفكير فيها لمحاولة استجلائها، حيث يعد الحج من أعظم الدلائل على وحدة الأمة الإسلامية وكونها أمة واحدة مهما اختلفت الأعراق والشعوب والدول، وهذا مضمون الوصف الإلهي لها في قوله تعالى: “إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ”.

من أجل هذا المبدأ العظيم والمقصد الأهم من مقاصد الشريعة الإسلامية شرع الله الحج، حيث يجتمع المسلمون من كل فجاج الأرض في مكان واحد، ويلبسون لباسًا واحدًا، ويؤدون نفس المناسك مع بعضهم البعض بهذا الشكل المنظم تنظيمًا ربانيًا محكمًا من حيث الزمن والنسك، حيث لا تمييز ولا تفريق، والكل أمام الله سواسية.

إن لهذه المقاصد العظيمة أثرها البالغ في تصحيح ومعالجة واقع الأمة الإسلامية في العصر الحاضر، الذي يوصف بأنه بعيد كل البعد عن مفهوم الأمة الواحدة، لأنها تعيش في أشد حالات التمزق والتفكك، بل والعداوة والبغضاء، مما يوجب الحاجة لاستشعار مقصد الحفاظ على نظام الأمة كأمة واحدة واستدامته؛ لأنه الأصل الذي بنيت عليه مقاصد الدين وفرائضه، ومنها فريضة الحج.

ولهذا المقصد العظيم ثمار عظيمة تنفع المسلمين في كافة جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية؛ لأن هذه الجوانب هي الأساس الذي تقوم عليه حياة الأمم، ومن خلالها يمكن امتلاك أسباب القوة والتكامل الاقتصادي، وبسط النفوذ على السيادة والأرض، وامتلاك القوة التقنية والعسكرية التي تحترمها كل الأمم.

إن تلك المنافع والمقاصد يمكن استخدامها في عملية إصلاح واقع الأمة الإسلامية؛ لأنها كدول تمتلك مقومات عظيمة جدًا تجعلها القطب الأول في العالم، لكنها متفرقة ومتصارعة ومنضوية تحت قوى خارجية بحكم المصالح.

وإذا أردنا إيراد الشواهد والأدلة على تحقيق مقصد الوحدة وحفظ نظام الأمة، فإن من أعظم الشواهد على مقصد الوحدة الإسلامية في الحج لبس الإحرام وشعار التلبية، والأعمق منهما وقفة عرفات التي يتجرد فيها المسلمون من كل شيء لمناجاة الله الواحد القهار والتضرع إليه، حيث نجد هيبة هذه الوقفة العظيمة التي تقشعر لها الأبدان وتذرف لأجلها الدموع، تعطي شاهدًا حيًا على وحدة الأمة بوحدة الهدف والمقصد الذي اجتمعوا له.

وحين يرمون الجمرات فهم يرمون رمزًا للشر، وهذا يعني أنهم متحدون أيضًا في مواجهة أعدائهم، فكما رجموا الجمرات لدحر الشيطان والانتصار عليه، يمكنهم أيضًا رجم قوى الشر ودحر عدوانها المتكرر على ديار المسلمين، وإعادة أمجاد الأمة التي سلفت.

وحين يتم ذبح الأضاحي والهدي، فإن الجميع يلتزم بنسك عظيم من أهم دلائل توحيد الله جل وعلا ونبذ مظاهر الشرك، وهكذا بقية مناسك الحج جميعها تعزز مقصد الوحدة وحفظ كيان الأمة الإسلامية كما يريدها الله تعالى، وكما أوضح ذلك نبيها صلى الله عليه وسلم بقوله: “المسلمُ أخو المسلمِ، لا يظلِمُه ولا يُسلِمُه، مَن كان في حاجةِ أخيه كان اللهُ في حاجتِه، ومَن فرَّج عن مسلمٍ كُربةً فرَّج اللهُ بها عنه كربةً مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ، ومَن ستَر مسلمًا ستَره اللهُ يومَ القيامةِ”.

إن مقصد حفظ نظام الأمة واستدامتها ليس جديدًا، فقد كان مقصدًا واضحًا منذ ظهور الإسلام، وكان داعمًا أساسيًا لوحدة المسلمين على مر العصور، وسببًا أساسيًا لقوتهم وعزتهم ومنعتهم وعلو شأنهم على كل الأمم، ونحن في هذا العصر بأمسِّ الحاجة إلى تفعيل هذا المقصد في حياتنا العامة لنكون كما يريدنا الله تعالى: خير أمة أخرجت للناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى