«وللحديث بقية»
في ظل الحراك التنموي والاقتصادي المتسارع الذي تشهده المملكة، والتحول الرقمي الشامل الذي جعل من تطبيقات الخدمات العصب النابض لتسهيل تفاصيل الحياة اليومية، برزت على السطح إشكالية تنظيمية وسلوكية بالغة الحساسية تمس صميم العلاقة بين المستهلك ومزودي الخدمة. فخلف الواجهات الرقمية البراقة والشعارات الجاذبة التي تَعِد بـ “شراء وقت العميل وراحته”، تختبئ بيئة تعاقدية مجحفة، تُدار بعقلية الاستقواء القانوني، وتضع المستهلك دائماً في خانة الطرف الأضعف والمذعن الذي يتحمل وحده تبعات أخطاء الشركات ومماطلتها دون أدنى مرونة أو تقدير.
ولعل نظرة فاحصة على المشهد الاستهلاكي اليوم تكشف عن نمطين متكررين من المعاناة التي يواجهها المجتمع؛ النمط الأول يتمثل في قطاع تطبيقات ومتاجر الخدمات الإلكترونية، حيث يواجه المستهلك أزمة تأخير حادة وممتدة في استلام طلبيته تصل أحياناً لثلاثة أشهر كاملة، يرافقها جدار صمت وتجاهل تام نتيجة انعدام قنوات تواصل حقيقية وفاعلة مع خدمة العملاء، مما يترك العميل معلقاً بلا إجابات ولا يعلم مصير حقوقه ناهيك عن جودة المنتج التي تكون عكس المعروض وهنا ندخل في نطاق الغش والتحايل.
أما النمط الثاني، وهو الأشد وطأة، فيتجلي في قطاع شركات توفير وتشغيل العمالة المنزلية والخدمات العقودية المجدولة، وهو قطاع يمس استقرار الأسرة بشكل مباشر، حيث يلتزم العميل بعقود مدفوعة لمدد محددة، وخاصة إذا كان العميل امرأة موظفة، بترتيب التزاماته المهنية والأسرية وإجازته السنوية بدقة متناهية بناءً على الموعد المتفق عليه لزيارة العاملة، وعندما تخل الشركة بالموعد وتتأخر، تسقط كل مرونتها؛ ترفض الشركة ترحيل الموعد بما يتوافق مع أوقات دوام الموظفة بعد انقضاء إجازتها، وتضع العميل أمام خيار تعجيزي إما الرضوخ أو استرداد المبلغ المحتجز وبكل قوة راح ينزل لك بعد 14 يوم لماذا المماطلة ؟
إن هذا المنطق الاستعلائي يفرض سؤالاً حقوقياً وتنظيمياً ملحاً على طاولة صناع القرار؛ منذ متى كانت إعادة رأس المال المجرد، بعد أسابيع من احتجاز أموال الناس والتعطيل ونكث العقود، تُعد تعويضاً عادلاً للمستهلك؟ وأين الجبر القانوني والمادي لـ “فرصة الوقت البديل”؟ وأين التعويض عن التعطيل الحياتي والضرر النفسي الذي لحق بمستهلك بنى التزاماته على عقود ظنها موثوقة؟ كيف يُعاقب العميل مالياً بالثانية والدقيقة عند الخطأ، بينما تُكافأ الشركة بـ “المهلة المفتوحة” واحتجاز أموال الناس لأسابيع دون أدنى محاسبة أو غرامة تأخير عكسية؟ إن هذا يمثل اختلالاً صارخاً في ميزان العدالة التعاقدية.
إننا أمام معضلة تتطلب تدخلاً عاجلاً وصارماً من المشرّع والجهات التنظيمية والرقابية لإعادة صياغة أدوات حماية المستهلك؛ فلم يعد كافياً أن يقتصر دور هذه الجهات على الوساطة الودية لإعادة المبالغ المالية المحتجزة، بل يجب الانتقال نحو فرض عقود نموذجية إلزامية تتضمن غرامات تبادلية متكافئة، فمثلما يغرم المستهلك على إلغائه وتأخره، يجب نظاماً أن تُغرم الشركة بذات النسبة والمقدار لصالح المستهلك عند إخلالها بالوقت أو الجودة، ليكون الوقت قيمة اقتصادية محترمة للجميع.
لذا، فإننا نضع هذا الخلل التعاقدي وتغوّل الشروط الإذعانية أمام الجهات ذات الاختصاص المباشر؛ ونوجه هذا النداء الحقوقي إلى وزارة التجارة، وإلى جمعية حماية المستهلك، وهيئة الحكومة الرقمية فيما يخص قطاع التطبيقات والمنصات الرقمية لمواجهة أزمات تأخر السلع وغياب قنوات التواصل الحقيقية مع المستهلكين. وفي ذات السياق، نرفع معاناة احتجاز الأموال وغياب المرونة الإدارية إلى وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، وإلى منصة مساند، باعتبارهما المظلة النظامية المنظمة لقطاع شركات توفير الخدمات العمالية بالمملكة، للمطالبة بفرض مرونة إلزامية تحمي أوقات الموظفات، وتفعيل غرامات تأخير مرتدة لصالح العميل عند إخلال الشركات بالمواعيد. إن حماية المستهلك ليست ترفاً، وحقوقه ووقته وكرامته الاستهلاكية ليست قابلة للتأجيل أو المماطلة تحت ذريعة سياسة الشركة.
