في كل نظام تعليمي لحظة فارقة يُعاد فيها طرح سؤال بسيط في ظاهره، عميق في أثره: هل ما نملكه اليوم ما يزال صالحًا لما نريده غدًا؟ هذا السؤال يفرض نفسه على التعليم الجامعي في المملكة العربية السعودية، لا بسبب عدد الجامعات، بل بسبب تشابهها. فالمشهد الحالي يكشف نمطًا متكررًا في الكليات والبرامج والهياكل، وكأن الجامعات نسخ متعددة لنموذج واحد نجح في مرحلة التوسع، لكنه قد يصبح غير كافيًا في مراحله اللاحقة.
ذلك التوسع لم يكن خطأ، بل مثّل إنجازًا وطنيًا مهمًا أسهم في نشر التعليم ورفع نسب الالتحاق بالتعليم الجامعي وتقليص الفوارق بين فئات المجتمع خاصة في كثيرًا من المناطق البعيدة حيث حققت السعودية قفزت كبيرة في مؤشرات الوصول للتعليم الجامعي ومعايير المساواة والإنصاف في التعليم دوليًا. ولهذا، فإن الحديث عن الإصلاح يجب أن ينطلق من مبدأ أساسي: الحفاظ على المكتسبات قبل إعادة تشكيلها. فوجود نحو 29 جامعة حكومية، في سياق دولة بحجم السعودية وتنوعها السكاني والجغرافي، لا يُعد تضخمًا بقدر ما يعكس مرحلة بناء كان لها دورها، ولا يزال لها امتدادها في تعزيز الاستقرار المجتمعي ورفع مستوى الوعي وتوسيع فرص التعليم.
غير أن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في العدد، بل في التمايز. فاستمرار الجامعات بهياكل متشابهة وبرامج متكررة يقلل من قدرتها على تقديم قيمة نوعية، ويجعل مخرجاتها متقاربة في وقت يحتاج فيه البناء الحضاري النوعي -والتي تسعى الدولة المباركة لبنائه حاليًا- إلى تنوع في المهارات والمعرفة. ومن هنا، يصبح الإصلاح ضرورة، لكن ليس بأي ثمن، ولا بأي نمط.
ومع تصاعد النقاش حول إعادة تشكيل المشهد، تبرز أحيانًا توجهات توحي بإعادة توزيع الأدوار بين مؤسسات التعليم، وقد تميل بعض المعالجات إلى اختزال جزء من المشكلة في نقل بعض المؤسسات الجامعية نحو اتجاهات أكثر ارتباطًا بالتعليم التقني والمهني. غير أن التجارب الدولية، حين تُقرأ بعمق، تقدم صورة أكثر توازنًا.
في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، لم تُبنَ قوة التعليم العالي على توحيد الجامعات، بل على تنوعها المنظم عبر أطر مثل Carnegie Classification of Institutions of Higher Education، حيث تتوزع الأدوار بوضوح بين الجامعات البحثية والمؤسسات التعليمية والكليات المجتمعية. فلا يُطلب من Harvard University -على سبيل المثال- أن تكون كل شيء، بل أن تتفوق في مجالها، كما لا تُقاس المؤسسات التطبيقية بمعايير البحث العلمي العالمي. هذا الوضوح في الوظيفة هو ما يمنح النظام توازنه.
وفي ألمانيا، لم يكن التوجه نحو التعليم التطبيقي على حساب الجامعات، بل عبر إنشاء مسار موازٍ تمثل في جامعات العلوم التطبيقية، التي احتفظت بهويتها الأكاديمية وربطت برامجها بالصناعة دون أن تتحول إلى معاهد تابعة لمؤسسات التدريب. أما فنلندا، فقد اختارت إصلاحًا هادئًا يقوم على الفصل بين الجامعات البحثية والتدريسية وجامعات العلوم التطبيقية، مع الحفاظ على تكامل المسارين دون إضعاف أي منهما.
وفي أستراليا، تم التعامل مع فجوة المهارات عبر بناء منظومة تدريب تقني مستقلة، مع تعزيز الشراكة بينها وبين الجامعات، دون دمج قسري أو تغيير في هوية المؤسسات الجامعية. بينما في الصين، ورغم جرأة التحول، بقيت الجامعات التي أُعيد توجيهها ضمن الإطار الجامعي، تمنح درجات علمية وتحافظ على بنيتها الأكاديمية، ولم تُختزل في التدريب المهني. أما اليابان، فقد سلكت طريقًا أكثر تدرجًا، حافظت فيه على التوازن بين المعرفة والتطبيق، دون أن تسمح لأحدهما أن يطغى على الآخر.
هذه التجارب، على اختلاف سياقاتها، تتفق على مبدأ جوهري: الإصلاح لا يعني تقليص دور الجامعة، بل إعادة تعريفه في منظومة متوازنة بين مفهوم الجامعة كصانعة للحضارة وحاضنة للعلم والعلماء ومتطلبات العصر الاقتصادية. ومن هنا، فإن تطوير التعليم التطبيقي يجب أن يُنظر إليه بوصفه مسارًا مكمّلًا، لا بديلًا، وأن يتحقق ضمن الإطار الجامعي أو بالتوازي معه، لا على حسابه.
كما أن ثمة بُعدًا آخر لا يقل أهمية، يتعلق بتوزيع المسؤوليات داخل منظومة التعليم ككل. فمتطلبات التحول الاقتصادي والتنموي تستدعي تعزيز دور التعليم المهني والتقني بوصفه المسار الطبيعي لتوفير المهارات العملية وسد فجوات سوق العمل. وهذه مسؤولية جوهرية تقع على عاتق المؤسسات المختصة بهذا المجال، التي ينبغي أن تُطوّر وتُوسّع وتُدعم لتقوم بدورها الكامل، بدل أن يُعاد تحميل جزء من هذه المسؤولية على الجامعات عبر إعادة تشكيلها وتحويلها لهذه المنظومة بما قد يخرجها عن طبيعتها مما قد يؤدي إلى إعادة إنتاج ذات الإشكالات القائمة في منظومة التعليم المهني والتقني.
إن تحميل الجامعة أدوارًا ليست من صميم وظيفتها، أو إعادة تعريفها بشكل يجعلها أقرب إلى مؤسسات التدريب، لا يحل المشكلة بقدر ما ينقلها من مسار إلى آخر. فالجامعة، في جوهرها، مؤسسة لصناعة المعرفة، وبناء الإنسان، وتشكيل الوعي، قبل أن تكون أداة مباشرة لسد احتياجات السوق الآنية. والتجارب التي حاولت اختزال هذا الدور انتهت غالبًا إلى فقدان التوازن بين المعرفة والمهارة.
وفي السياق ذاته، يظل الحفاظ على جميع التخصصات والحقول المعرفية ضرورة لا تقل أهمية عن تطوير المسارات التطبيقية. فالتخصصات لا تُقاس قيمتها فقط بعائدها المباشر، بل بدورها في بناء منظومة معرفية متكاملة. حيث أن إضعاف أي مجال، بحجة محدودية جدواه الآنية، ينعكس على بقية المجالات، ويؤثر في جودة المخرجات بشكل غير مباشر وقد ينعكس ذلك في صورة فجوات مستقبلية في بعض المجالات. وفي الواقع بأن ما نحتاجه هو تطوير برامج هذه التخصصات وربطها بالتخصصات البينية والنظر لها من زوايا عدة وشاملة بعيدا عن زاوية سوق العمل الذي تسعى لتسليع التعليم والتعامل مع الطالب كمستهلك والعلم كمنتجات تسويقية لا أكثر.
وفي قلب هذه المعادلة، يبرز الكادر البشري الأكاديمي بوصفه أحد أهم مكتسبات النظام الجامعي وثروته المعرفية المتراكمة. فهذه الكفاءات لم تتشكل صدفة، بل جاءت نتيجة استثمار طويل في التأهيل والابتعاث وبناء الخبرات، حتى أصبحت تمثل ركيزة مركزية في إنتاج المعرفة وصياغة دور الجامعة في المجتمع. كما أن حضورها لا يقتصر على الجانب الأكاديمي، بل يمتد إلى دورها الثقافي والاجتماعي بوصفها أحد مصادر التأثير في الوعي العام. فكثير من الكوادر الاكاديمية تعتبر حديثة الحضور لهذه الجامعات وبالكاد استلمت زمام الأمور وهو ما أنعكس بشكل واضح وكبير على تطور كثيرًا من الجامعات في السنوات القريبة وهو ملاحظ ومرصود بشكل كبير والخشية بأن تغييرات جوهرية وكبيرة في الجامعات دون منح المزيد من الوقت لهذه الكفاءات الشابة قد يُشكل كسر لحلقة التطوير الكبيرة والتي نشهدها في أغلب الجامعات الم تكن جميعها، فمن الحكمة -من وجهة نظري- أن تمنح هذه الكوادر المزيد من الوقت والثقة و أن يكون مصدر الإصلاح من خلالها وليس من خارجها ولذلك مميزات عدة يصعب حصرها.
ومن هنا، فإن أي مسار إصلاحي يحتاج إلى أن يضع هذه القدرات في صميم رؤيته، عبر الحفاظ عليها، وتمكينها، وإعادة توظيف خبراتها بمرونة تتوافق مع متطلبات المرحلة، بما يعزز استدامة التطوير ويحقق توازنه.
ويبقى عنصر لا يقل أهمية عن مضمون الإصلاح، وهو إيقاعه. فالإصلاحات الشاملة والسريعة، رغم جاذبيتها الظاهرية، قد تُحدث ارتباكًا يفوق ما تعالجه من مشكلات. أما التدرج، القائم على رؤية واضحة، وتجارب مرحلية، وتقييم مستمر، فيمنح النظام القدرة على التعلم والتكيف، ويحميه من آثار غير مقصودة يصعب تداركها لاحقًا. وفي الواقع بأن الوقت الذي يتطلبه إصلاح نظام تعليمي جامعي قائم من عقود يتطلب عقود وليست أشهر ويتطلب تدرج وليس تحديدًا للكل.
إن ما تحتاجه المملكة اليوم ليس إعادة توزيع صامتة، بل إعادة تعريف واعية، تُبقي على قوة الجامعات وتاريخها، وتدفعها في الوقت ذاته نحو التمايز والتميز. إصلاح يوازن بين الطموح والحذر، بين التغيير والاستقرار، وبين متطلبات الاقتصاد ورسالة الجامعة.
وفي النهاية، لا تُقاس جودة الإصلاحات بمدى سرعتها، بل بمدى قدرتها على الحفاظ على ما تم بناؤه، وتطويره دون أن تفقده معناه. فالتعليم العالي ليس مجرد منظومة مؤسسات، بل هو ركيزة حضارية، وأي تغيير فيه لا ينبغي أن يكون أقل عمقًا من الدور الذي يؤديه.
