المقالات

بين الودِّ والديْن … حين تُختبر القلوب بالحقوق

لا تقايض صفاء القلب بحساب المال … فإن ضاع الحق، انكسر الود.

في حياتنا، لا تكون الخيبات دائمًا من الغرباء … بل تأتي أحيانًا من أقرب الناس إلى القلب، ممن منحتهم ثقتك بلا حساب، وأعطيتهم من ودك وصدقك ما ظننت أنه سيصان كما يصان الود. لكن الحقيقة التي تعلمنا إياها التجارب — وإن كانت قاسية — أن الحب لا يحمي من الخطأ، والثقة لا تمنع الظلم، والقرابة لا تضمن الوفاء.

خيبة التوقعات … حين يتحول القرب إلى ألم

أشد الخيبات ليست في ضياع المال بحد ذاته، بل في انكسار الصورة التي رسمتها لذلك الشخص في قلبك.

كنت تظنه ملاذًا، فإذا به مصدر قلق …
كنت تراه سندًا، فإذا به عبء …
كنت تأمنه، فإذا بك تتجنب حتى ذكر حقك أمامه!

هنا يتحول الألم من خسارة مادية إلى جرح معنوي عميق، جرح يعيد ترتيب مفاهيمك عن الناس … وعن نفسك.

المال حين يدخل … قد يختبر ما لا يختبر

ليس كل الناس قادرين على التفريق بين العاطفة والحقوق.
فالمال — مهما كان قليلاً — يحمل في طياته اختبارًا صامتًا للأخلاق والضمير.

ولهذا كانت الحكمة التي لا يختلف عليها:
لا تمزج المال بالمحبة إلا بميزان واضح وحدود صريحة.

لأنك إن فعلت دون حساب، فقد تضع العلاقة في مهب الريح …
فإما أن يضيع المال، أو تضيع المحبة … أو يضيعان معًا.

ميزان الشرع … عدل لا يميل

لقد جاء الهدي النبوي واضحًا في هذا الباب، حيث قال
النبي ﷺ:
“مطل الغني ظلم”

وهذا ليس مجرد توجيه أخلاقي، بل حكم يحمل في طياته إنصافًا للمظلوم وتنبيهًا للظالم.
فالتأخير المتعمد في أداء الحقوق ليس تصرفًا عابرًا … بل ظلم صريح.

وكم هو مؤلم أن يأتي هذا الظلم ممن أحببناهم!

الدرس الذي يبقى

ليست الدعوة إلى القسوة … ولا إلى قطع العلاقات،
بل إلى الحكمة في التعامل.

أن تحب بصدق … نعم
أن تثق … نعم
لكن أن تحسن إدارة الحقوق … هذا هو الاتزان.

ما بين القلب والعقل

تعلم أن:

  • القلب يعطي بلا حساب …
  • لكن العقل يحفظ التوازن

فإن اجتمعا، استقامت الحياة … وإن غاب أحدهما، اختلّت الموازين.

خاتمة

قد نخسر مالًا …
وقد نخسر أشخاصًا…
لكن الأهم أن لا نخسر أنفسنا، ولا صفاء قلوبنا.

فاجعل تجاربك معلمًا لا سجنًا …
وخذ من الألم وعيًا … لا قسوة.

وردد بيقين:
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

فهو جبر القلوب، وعدل الحقوق، وملاذ من خذلان البشر.

أ.د. عصام بن إبراهيم أزهر

رئيس وحدة الكائنات المعدية مركز الملك فهد للبحوث الطبية جامعة الملك عبد العزيز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى