في مواسم الطهر تتخفف الأرواح من أثقال الدنيا، وتمضي القلوب إلى الله قبل الأقدام، وكأن الحجيج حين يرفعون أصواتهم بـ«لبيك اللهم لبيك» إنما يعلنون ميلادًا جديدًا للروح، وتجديدًا للعهد مع الرحمن. الحج ليس رحلة طريق … بل رحلة يقين، تغسل فيها القلوب بماء الرجاء، وتضاء الأرواح بأنوار الدعاء، وتذوب الفوارق تحت راية التلبية والخضوع لله الواحد الأحد.
لَبَّيكَ رَبّي
لَبَّيكَ يا رَبَّ السَّماواتِ العُلا
إِنّي أتيتُ وقلبُ شَوقي أقبَلا
لَبَّيكَ يا نَبضَ الدعاءِ إذا سَرَى
في الروحِ حتى أيقظَ الأملَ الطَّوِلا
لَبَّيكَ والحَرَمُ المنيفُ مَهَابَةٌ
تَسقي الفؤادَ من السكينةِ مَنهَلا
لَبَّيكَ والحُجّاجُ حولَكَ رُكَّعٌ
تَتلو التلبيةَ العظيمةَ مُرسَلا
لَبَّيكَ يا ربَّ القلوبِ إذا دَعَتْ
في عرفاتٍ واستفاقتْ مُقبِلا
لَبَّيكَ والدَّمعُ الشريفُ مُناجِياً
يرجو رضاكَ ويستجيرُكَ مُثقَلا
لَبَّيكَ والنُّورُ العظيمُ يُظلِّلُ الـ
بيتَ العتيقَ ويملأُ الدنيا سَنا
لَبَّيكَ يا مَن بالرحابةِ رحمةٌ
وببابِ جودِكَ ينثني المُتوسِّلا
لَبَّيكَ ما هبَّتْ نسائمُ مِنىً
وتلألأَ الفجرُ الكريمُ مُهلِّلا
لَبَّيكَ ما رَمَتِ الجِمارُ حكايةً
عن كلِّ ذنبٍ قد هوى وتزلزلا
لَبَّيكَ يا رَبَّ العبادِ فإنّني
أرجو برحمتِكَ العظيمةِ مَدخَلا
وهكذا يعود الحاج من رحلته وقد ترك شيئًا من تعبه عند أبواب الرحمة، وأخذ من الطمأنينة ما يكفيه لعمر كامل.
يبقى صوت التلبية أعذب نداءٍ تهتز له الأرواح:
«لبيك اللهم لبيك» … نداء حب وخضوع
وعهد عبد يرجو أن يعود من الحج بقلب أنقى، وروح أقرب، ودعاء لا يرد.





