يشهد النظام الدولي المعاصر تحولًا جوهريًا في موازين القوى وأدوات التأثير، حيث لم تعد القوة الصلبة المتمثلة في القدرات العسكرية والاقتصادية وحدها كافية لفرض النفوذ وكسب المواقف الدولية. في ظل هذا التحول برز مفهوم القوة الناعمة كأداة استراتيجية تقوم على الإقناع والجاذبية الثقافية والقيمية، وتستهدف العقول والقلوب قبل أن تستهدف المصالح المباشرة. وتقف الهوية الوطنية في قلب هذا التحول بوصفها الرصيد الثقافي والرمزي الأصيل الذي تستند إليه الدول لصياغة خطابها الموجه للعالم، فهي الوعاء الذي تختزل فيه الأمة تاريخها وقيمها ورموزها وسردياتها الكبرى.
وتأتي المملكة العربية السعودية في طليعة الدول التي أدركت مبكرًا أهمية هذا التحول، خاصة مع إطلاق رؤية 2030 التي جعلت من الثقافة والهوية الوطنية ركيزة محورية في مشروع التحول الوطني. وقد انعكس ذلك رقمياً في مؤشر القوة الناعمة العالمي 2025 الصادر عن Brand Finance، الذي وضع المملكة في المرتبة 18 عالمياً والأولى عربياً، بتقدم 5 مراكز خلال عامين، مدفوعاً بصعود مؤشرات “الثقافة والتراث” و”الناس والقيم”. لقد انتقل الخطاب الإعلامي الثقافي السعودي من حالة الدفاع عن الذات إلى حالة المبادرة والتقديم الواعي لمكونات الهوية عبر فعاليات كبرى ومنصات رقمية وأحداث عالمية، ما يؤكد أن القوة الناعمة تتحقق بقدرة الرسالة على خلق انطباع إيجابي ومستدام لدى المتلقي الداخلي والخارجي.
إن العلاقة بين الهوية الوطنية والقوة الناعمة علاقة عضوية ترسخت في الأدبيات السياسية منذ أن طرح جوزيف ناي مفهومه الشهير. فالقوة الناعمة تستند في جوهرها إلى ثلاثة موارد رئيسة هي الثقافة والقيم السياسية والسياسة الخارجية، والهوية الوطنية هي الإطار الجامع الذي تنصهر فيه هذه الموارد. وعندما تنتقل الهوية من الفضاء الداخلي المغلق إلى الفضاء الدولي المفتوح عبر الاتصال الإعلامي الثقافي، فإنها تتحول من أداة تماسك اجتماعي إلى أداة تأثير خارجي. ويصبح الاتصال الإعلامي الثقافي هو الجسر الذي يحمل مكونات الهوية من حيزها المحلي إلى الإدراك العالمي، وتنجح هذه العملية بتحقق شروط الأصالة والاحترافية والملاءمة الثقافية، بحيث تقدم الهوية كما هي دون تزييف أو استنساخ، وباستخدام أحدث التقنيات، مع مراعاة خصوصية الجمهور المستهدف.
وتمتلك المملكة العربية السعودية مخزونًا هائلاً من مكونات الهوية التي تصلح كموارد للقوة الناعمة. فعلى المستوى الرمزي والتاريخي يبرز العمق التاريخي الممتد ووجود الحرمين الشريفين كرمز ديني عالمي، إضافة إلى الرموز الوطنية كالعلم والسيفين والنخلة والزي السعودي التي تحمل دلالات القوة والكرم والأصالة. وعلى المستوى القيمي تحضر قيم الكرم والضيافة والشهامة والتسامح والوسطية، وهي قيم إنسانية عالمية تجد قبولًا واسعًا إذا قدمت بلغة عصرية. أما المستوى التراثي والثقافي فيشمل التراث العمراني كالدرعية ومدائن صالح والفنون الشعبية والحرف اليدوية والمطبخ السعودي، وهو الأكثر جاذبية بصريًا وإعلاميًا. ويتكامل مع ذلك المستوى المنجز المعاصر المتمثل في مشاريع رؤية 2030 والمنجزات التقنية والرياضية والفنية التي تكسر الصورة النمطية وتقدم السعودية كدولة تصنع المستقبل. إن الميزة التنافسية للخطاب السعودي تكمن في المزج الذكي بين هذه المستويات بحيث تتكامل الأصالة مع المعاصرة.
وقد شهدت آليات توظيف الهوية في الإعلام السعودي تطورًا نوعيًا من النمط التقليدي المباشر إلى أنماط أكثر تعقيدًا واحترافية. فقد تحولت الفعاليات الكبرى مثل مواسم الرياض والعلا من مجرد أنشطة ترفيهية إلى منصات لتقديم الهوية السعودية بغلاف عالمي، حيث أصبح حضور الفنانين العالميين في العلا يربط المكان بالهوية والتاريخ. كما اعتمد السرد القصصي الرقمي عبر منصات مثل روح السعودية على الفيديو القصير والمحتوى المؤثر لسرد حكايات الأماكن والناس. ويتميز هذا النموذج السعودي عن النموذج القطري الذي ركز على الأحداث الرياضية الكبرى ككأس العالم 2022 كمنصة مركزية، أو النموذج الإماراتي الذي اعتمد على المدن الذكية والمتاحف العالمية كواجهة للانفتاح. بينما ينفرد النموذج السعودي بالجمع بين العمق الديني والتاريخي والمنجز المستقبلي في سردية واحدة متكاملة.
ورغم الزخم الكبير الذي تشهده التجربة السعودية، فإنها تواجه فرصاً موازية للتحديات. فتحدي الصورة النمطية السابقة يقابله فرصة إعادة التعريف، وتحدي التوازن بين الأصالة والانفتاح يقابله فرصة تقديم نموذج وسطي ملهم. وتمتلك المملكة فرصًا استثنائية تتمثل في الدعم السياسي غير المحدود للقطاع الثقافي، والبنية التحتية التقنية والإعلامية المتطورة، والشباب السعودي الذي يشكل النسبة الأكبر من المجتمع ويمتلك مهارات رقمية عالية تؤهله ليكون سفيرًا طبيعيًا لهويته عبر منصاته الشخصية.
إن دور الهوية الوطنية في الاتصال الإعلامي الثقافي كأداة للقوة الناعمة لم يعد خيارًا ترفيًا للدول الطامحة، وهو ضرورة استراتيجية في عالم تتشكل فيه الانطباعات عبر الشاشات والمنصات. والتجربة السعودية تقدم نموذجًا حيًا لدولة تمتلك كل مقومات القوة الناعمة من هوية عميقة وموارد ضخمة ورؤية سياسية داعمة. إن القوة الناعمة الحقيقية تقاس بما يترسخ في أذهان الآخرين من انطباعات إيجابية ومستدامة عن ثقافتنا وقيمنا ومنجزنا.
إن الاستثمار في الهوية الوطنية هو استثمار في رأس المال الرمزي للدولة، وعندما يدار هذا الاستثمار بوعي اتصالي واحترافية إعلامية فإنه يتحول إلى قوة ناعمة مؤثرة تعزز مكانة المملكة وتحقق أهدافها الاستراتيجية. إن المستقبل في هذا المجال سيكون للرواية الأصدق والصورة الأجمل والقصة الأكثر إلهامًا، تلك التي تنبع من الذات وتعانق العالم دون أن تفقد ملامحها.


