المقالات

عصر الحقول المعرفية المتداخلة

تشهد الأوساط العلمية في الدول المتقدمة موجة معرفية مذهلة منذ منتصف القرن الماضي عرفت بتداخل الحقول العلمية Interdisciplinary Fields.

وكان لهذه الموجه بالغ الأثر في تطوير البحث العلمي وتسخيره لخدمة المجتمع والبشرية بأسرها؛ لأن حل مشكلة معينة لا يعتمد على تخصص محدد؛ بل لابد من اشتراك عدة مختصين أو الاعتماد على باحث يجيد عدة حقول علمية ويحسن تسخيرها لحل المشكلات. ويبدو لي أن تلك الموجة بدأت في أوروبا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عندما شعر العلماء بأنهم لا يستطيعون خدمة مجتمعاتهم الإ بتظافر الجهود العلمية الاجتماعية مع الجهود التقنية التطبيقية.

وهكذا ازدهرت فلسفة البحث العلمي واتضحت طرق استخلاص النتائج الدقيقة التي لا تعتمد على حقل علمي واحد؛ فإذا أراد العلماء إنجاز بحث يحل مشكلة اقتصادية على سبيل المثال فإن عالم الاقتصاد وحده ليس قادراً على القيام به بعد هذه الموجه؛ بل لابد أن يشاركه علماء النفس الذين يستطيعون التنبؤ بطريقة تفكير الناس، وعلماء الاجتماع الذين يعرفون طبيعة ذلك المجتمع الذي نشأت فيه المشكلة الاقتصادية، وعلماء الجغرافيا الذين يدركون أهمية المكان وسماته المؤثرة في تلك المشكلة، وعلماء الرياضيات الذين يحلون المعادلات المتعلقة بتلك المشكلة … وهلم جرا.

عندما يجتمع المختصون في حقول علمية مختلفة ويجمع بينهم الاتفاق على فلسفة البحث العلمي وضرورة تسخير العلوم الطبيعية والاجتماعية على حد سواء. هنا تكون النتائج المستخلصة أكثر دقة والحلول المقترحة أكثر نجاعة، مع ملاحظة القواسم المشتركة بين كل التخصصات خاصة تلك المتعلقة بالمنهج واعتماد مادة محددة للدراسة، والالتزام بأخلاقيات البحث العلمي.

إن الظواهر المعاصرة كالعولمة لا يمكن أن يعالجها حقل علمي محدد؛ بل لابد أن تنضوي عدة حقول علمية تحت مظلة واحدة؛ فطبيعة المشكلة تتطلب خبرات متنوعة تشكل مجموعات بحثية؛ لينظر كل باحث إلى الظاهرة من الزاوية التي يعالجها تخصصه.

وتسهم موجة تداخل الحقول العلمية في بيان أهمية كافة العلوم والفنون دون استثناء وترشد الباحثين الشباب إلى الطريق العلمي القويم الذي لا يفضل حقلاً علمياً على آخر؛ بل يقيس الإنجاز العلمي بمدى آثاره الإيجابية وإسهاماته في نفع البشرية:

وخلال مسيرتي الأكاديمية المتواضعة التي تقارب الأربعين عاماً طالباً وباحثاً ومحاضراً ومشرفاً على الرسائل العلمية في عدة جامعات عربية وأجنبية، تابعت عدداً من الرواد في مجال تخصصي (اللسانيات) على مستوى العالم وسأختار نموذجين عملاقين أحدهما في أمريكا والآخر في بريطانيا وكلاهما يمثل موجة تداخل الحقول العلمية خير تمثيل.

النموذج الأول هو اللساني الأمريكي ذائع الصيت أفرام نعوم تشومسكي Avram Noam Chomsky الذي اختار أن يدرس اللسانيات والفلسفة في تلك الحقبة التي شهدت الولايات المتحدة خلالها ازدهاراً اقتصادياً وتقنياً غير مسبوق؛ فبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، بدأ العصر الذهبي للرأسمالية الأمريكية.

وكأني بالمثبطين حول ذلك الشاب يسخرون من دراساته التي كانت تصنف نظرية في ذلك الوقت ولا تتوافق مع الطفرة التقنية والمالية التي تشهدها البلاد. لكنه شمر عن ساعد الجد وآمن بأن الجامعة ما هي إلا مكان لتعلم التفكير المنطقي المنظم الذي يسعى للإقناع والتأثير وليست مكاناً لتدريب الطلبة على صناعة الأجهزة فقط.

وصرفت الولايات المتحدة على الجامعات ومراكز الأبحاث ففي تلك الحقبة بسخاء واستقطبت الطلاب الدوليين والباحثين الجادين من شتى أنحاء المعمورة. وفي هذه البيئة بدأ تشومسكي أعماله اللسانية الجادة التي أصبحت مؤثرة في حقول علمية متنوعة فنظريته القواعدية التوليدية Generative Grammar تشرح كيف يولد البشر بجهاز اكتساب اللغة؛ ليستطيع الأطفال تعلم اللغة في وقت وجيز وبسرعة هائلة على رغم من فقر الحوافز في مجتمعاتهم.

كان السلوكيون قبله يقولون بأن العقل عند الولادة يكون صفحة بيضاء وأن تعلم اللغة

ما هو إلا استجابه للحوافز المحيطة، أما تشومسكي فيرى أن المبادئ الأساسية لجميع اللغات لها جذور فطرية يولد بها الإنسان وأن تعلم اللغة متأثر بالبناء غير الواعي في الأذهان.

ولقي طرحه قبولاً واسعاً في الفلسفة التحليلية وكان له بالغ الأثر في علم النفس والرياضيات وعلوم الحاسوب وعلوم الأحياء. ووفقاً لقائمة الإحالات في العلوم والفنون عام ١٩٩٢ م استشهد الباحثون بما يطرحه تشومسكي أكثر من استشهادهم بأي عالم آخر في الفترة الممتدة من ١٩٨٠ – إلى ١٩٩٢ م .

أما النموذج الثاني فهو اللساني البريطاني الشهير ديفيد كريستال David Crystal

وقد التقيته كثيراً وتابعت أعماله وترجمت أحد كتبه “موت اللغة” إلى اللغة العربية. وقد اتخذ من الانفتاح على سائر علوم العصر منهجاً لخدمة اللغات البشرية، وعلى الرغم من تخصصه في اللغة الإنجليزيه إلا أن أعماله العلميه وبحوثه الرصينة أصبحت ذات أثر في مختلف الحقول العلمية وهو رائد مجال علمي جديد يعرف ب “لغويات الانترنت”. وفي عام ١٩٩٥ م حصل على رتبة الإمبراطورية البريطانية لقاء أعماله الجليلة، وهو القائل بأن اللغوي المعاصر الذي يحاول خدمة لغته دون الاستعانه بعلوم العصر وتقنياته إنما يشبه الطبيب الذى يحاول تشخيص الأمراض وعلاجها دون الاستعانه بتلك العلوم والتقنيات.

إن مسيرة هذين العالمين المؤثرين تثبت بما لا يدع مجالاً للشك يا صديقي الباحث المعاصر أن القضية الكبرى لا تتمثل في ماذا تدرس فقط؛ بل تتمثل في أين تدرس؟ وكيف تدرس؟ وماذا تنجز؟

والله من وراء القصد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى