64% من المجتمع السعودي وضعوا ثقتهم في ممارسات كانت بالأمس موروثاً شعبياً، واليوم رافداً استراتيجياً مقنناً؛ فكيف نجحت المملكة في تحويل “الطب التكميلي” إلى لغة عالمية للاستثمار والعافية؟
بين عبق الموروث وطموح الرؤية، ترسم المملكة العربية السعودية اليوم خارطة طريق عالمية لمفهوم ‘العافية الشاملة’ التي تضع الإنسان أولاً؛ حيث تستعيد المملكة صياغة الرعاية الصحية ضمن رؤية 2030 عبر تحويل الطب التكميلي من ممارسة موروثة إلى رافد استراتيجي مقنن يرتكز على الفرد كقاعدة للمجتمع الحيوي. وقد نجحت حوكمة المركز الوطني للطب البديل والتكميلي (NCCAM) في دمج الحكمة القديمة كالحجامة والوخز الإبري واليوغا-بمعايير الطب القائم على البراهين، لتنتقل بالمنظومة من ‘علاج العرض’ إلى “استدامة الوقاية” وضمان سلامة الجسد والروح معاً. هذا الانضباط التنظيمي لم يحمِ المستفيدين فحسب، بل فتح آفاقاً استثمارية ضخمة في ‘اقتصاديات العافية’ والسياحة الاستشفائية بمشاريع كبرى مثل نيوم والبحر الأحمر، ليصنع مشهداً تعانق فيه أصالة التراث طموح الحداثة.
لا تكتمل ملامح الرؤية إلا بوجود قيادةٍ تتقن فن المزاوجة بين صرامة العلم ومرونة الابتكار، وهو ما تجسد في مسيرة التحول التي يقودها الأستاذ الدكتور صالح القسومي؛ فبتقلده منصب المدير التنفيذي للمركز الوطني وخلفيته الاكاديمية كـ ‘صيدلي بارع’، أصبح الشخصية المناسبة لهذا المركز ومحركاً اساس لعملية ‘العصرنة والتقنين’؛ حيث نجح في توظيف خبرته الصيدلانية لتحويل الممارسات التقليدية إلى بروتوكولات علمية منضبطة تخضع لأعلى معايير السلامة الدوائية. لم يكتفِ الدكتور القسومي بالدور التنظيمي، بل يقود توجهاً وبصمةً رائدة لدمج الطب التكميلي في المناهج الجامعية، عبر ورش عمل تخصصية في جامعات كبرى كجامعة الامام محمد بن سعود وجامعة طيبة بالمدينة النبوية، لضمان مخرجات أكاديمية وطنية مؤهلة تقود هذا القطاع الواعد.
إن هذا التكامل بين الصرامة التنظيمية والتأصيل الأكاديمي هو ما عزز ثقافة ‘الاستخدام الآمن’، وجعل من الطب التكميلي في المملكة العربية السعودية قلب الحداثة الصحية النابض.
فحين تصبح ‘العافية’ ثقافةً مجتمعية لا مجرد إجراءات طبية، ندرك أننا أمام تحولٍ حقيقي يتجاوز جدران العيادات ليلامس حياة كل أسرة سعودية؛ حيث لا يتوقف تأثير تقنين الطب التكميلي عند حدود العيادات، بل يمتد ليلمس عمق النسيج الاجتماعي؛ فمنح المواطن ‘حرية الاختيار الواعي’ لدمج العلاج الطبيعي بالحديث تحت مظلة آمنة تخفض من القلق تجاه الآثار الجانبية للأدوية، وحماية الأسرة من مخاطر الوصفات العشوائية عبر استعادة الثقة في موروثٍ بات اليوم ‘منقحاً’ وعلمياً. وبنظرة أشمل، ساهم هذا التنظيم في تعزيز ‘الطب الوقائي’ وخلق ثقافة مجتمعية تدرك أن الصحة تكاملٌ بين الجسد والروح، وهو ما تبرهنه لغة الأرقام والواقع؛ حيث تعززت ثقة الـ 64% من المجتمع بوجود أقسام متخصصة في كبرى المدن الطبية السعودية. ومع قفزة تصاعدية نوعية في التراخيص الرسمية، نجحت المملكة في محاصرة ‘تجارة الوهم’، وتحويل ممارسات كـ ‘الحجامة’ من بيئات غير صحية إلى إجراءات طبية دقيقة يقصدها حتى الرياضيون، لتتحول المملكة بذلك إلى نموذج إقليمي يضبط هذا القطاع ويستثمر في عافية مجتمعه.
حين تتعانق صروح العلم مع جذور الموروث، نكون أمام ولادة عهد جديد من المعرفة يضع المملكة في طليعة الابتكار الصحي العالمي؛ حيث لا يتوقف طموح المملكة عند حوكمة الممارسات الميدانية فحسب، بل امتد ليشمل صروح العلم عبر حراك أكاديمي لدمج ‘الحكمة القديمة’ المستمدة من أقدم النظم البشرية في الصين والهند وأفريقيا مع دقة الطب الحيوي الحديث، ويمتد ليربط ‘علاج الجسد بسكينة الروح’ من خلال دمج الطب النبوي-كالحجامة والتداوي بالعسل والقسط الهندي- كعوامل تكميلية ترفع المناعة وتحسن جودة الحياة.
بينما تذوب الحدود بين الحكمة التقليدية والذكاء الاصطناعي، تفتح المملكة العربية السعودية اليوم فصلاً جديداً يُحول التراث الطبي إلى محركٍ للاقتصاد الوطني والابتكار العالمي؛ فاليوم، لم يعد هذا التراث حبيس الماضي، بل دخل عصر الذكاء الاصطناعي لفك شفرات المعارف القديمة في علم الأدوية العكسي، محولاً إياها إلى ركيزة حيوية لـ ‘الاقتصاد القائم على المعرفة’. فمن خلال جذب الاستثمارات النوعية في الأدوية العشبية، وتعزيز السياحة الاستشفائية في مشاريع كبرى كـ ‘نيوم’ و’أمالا’، وإخضاع ممارسات الطب النبوي لمعايير المختبرات العالمية، نجحت رؤية 2030 في تأصيل هذا الإرث علمياً بما يرفع قيمته السوقية ويحمي الهوية الثقافية للمملكة دولياً. وفي ظل هذا التسارع العالمي الذي تتبناه كبرى شركات التأمين والمستشفيات الدولية، تظل ‘النصيحة الذهبية’ هي ضرورة استشارة الطبيب المختص لضمان مأمونية التداخلات الدوائية تحت إشراف الرقابة الرسمية لـ ‘المركز الوطني للطب البديل والتكميلي’، لتتحول المملكة بذلك إلى نموذج إقليمي رائد يصنع مجتمعاً حيوياً يتمتع بصحة شاملة ومستدامة.
إن نجاح هذه الرحلة من الأصالة إلى الحداثة لا يتوقف عند حدود التشريعات الحكومية أو المبادرات الأكاديمية، بل يمتد ليكون أمانةً في عنق كل فردٍ منا كشريكٍ أصيل في نهضة الوطن. إن دورنا اليوم كمجتمعٍ حيوي يكمن في تبني ‘ثقافة الوعي المسؤول’؛ عبر استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية، والتأكد من تراخيص الممارسين، ونبذ الشائعات الطبية التي قد تضر بالصحة العامة. فالتفاف أفراد المجتمع حول ‘المركز الوطني للطب البديل والتكميلي’ ودعم جهود كوادره الوطنية هو الضمانة الحقيقية لمحاصرة تجارة الوهم واستدامة العافية. فلنكن جميعاً عوناً لقيادتنا في تحقيق رؤية 2030، ولنجعل من أجسادنا القوية وعقولنا المستنيرة الوقود الذي يدفع المملكة نحو صدارة المشهد الصحي العالمي، مؤمنين بأن الصحة هي الاستثمار الأغلى، وأن الوعي هو حائط الصد الأول لحماية منجزاتنا الوطنية.
ختاماً، إن النهضة التي يشهدها هذا القطاع ليست مجرد إحياء للموروث، بل هي إعادة صياغة مؤسسية يقودها الأستاذ الدكتور صالح القسومي؛ فبصفته المدير التنفيذي للمركز الوطني، أصبحت المملكة في طليعة دول العالم التي تتبنى مفهوم “الطب الاندماجي”. وأثبتت أن جودة حياة الإنسان هي القلب النابض لرؤية 2030، ليرسخ هذا التكامل الفريد واقعاً جديداً يكون فيه الوعي الصحي هو العلاج الأول، والابتكار هو الطريق نحو مجتمع حيوي يعانق المستقبل بجذورٍ راسخة وعلمٍ مستنيرة.

