المقالات

القوى الناعمة وكرة القدم: هل تفقد المواهب السعودية بريقها؟

لم تعد كرة القدم مجرد لعبة تُمارَس داخل المستطيل الأخضر، بل تحوّلت في العصر الحديث إلى أداة استراتيجية بالغة التأثير، تستخدمها الدول لتعزيز حضورها الدولي وصياغة صورتها الذهنية لدى الشعوب. وفي عالم تتراجع فيه فاعلية “القوة الصلبة”، تبرز الرياضة—وفي مقدمتها كرة القدم—كإحدى أهم أدوات “القوة الناعمة” على الوصول إلى الجماهير وكسب التأثير دون ضجيج السياسة أو كلفة الصراع.

وقد أدركت العديد من الدول هذه الحقيقة، فاستثمرت في كرة القدم بوصفها جزءًا من هويتها الوطنية، كما هو الحال في البرازيل والأرجنتين في النصف الغربي من الكرة الأرضية، حيث تمثل كرة القدم مكونًا رئيسيًا من ثقافتهما الشعبية. وفي المقابل، سعت دول في شرق آسيا مثل كوريا الجنوبية والصين واليابان إلى توظيف كرة القدم ضمن مشاريعها التنموية وصورتها الدولية.

أما في المملكة العربية السعودية، فقد حقق المنتخب الوطني إنجازات لافتة، أبرزها الفوز بكأس آسيا ثلاث مرات: في سنغافورة عام 1984م، وفي قطر عام 1988م، وفي الإمارات العربية المتحدة عام 1996م، إضافة إلى التأهل إلى نهائيات كأس العالم ست مرات، وهو ما يعكس حضورًا قويًا في الساحة الكروية الآسيوية والدولية.

وشهدت كرة القدم السعودية عصرًا ذهبيًا خلال الثمانينيات والتسعينيات، برز فيه جيل من النجوم الذين سطروا تاريخًا مشرفًا، من أمثال: ماجد عبدالله، وسامي الجابر، وصالح النعيمة، ومحيسن الجمعان، وخميس العويران، ومحمد الدعيع، ويوسف الثنيان، وفؤاد أنور، وياسر القحطاني، وغيرهم ممن أسهموا في رفع راية الكرة السعودية إقليميًا وعالميًا.

في تلك الفترة، كانت الأندية السعودية بمثابة مصانع حقيقية لإنتاج المواهب، حيث كان عدد اللاعبين الأجانب محدودًا للغاية، مما أتاح الفرصة للاعبين السعوديين للمشاركة وصقل مهاراتهم واكتساب الخبرة. أما اليوم، فقد ارتفع عدد اللاعبين الأجانب بشكل ملحوظ، حيث يُسمح بمشاركة عدد كبير منهم، الأمر الذي قلّص فرص اللاعبين المحليين في الظهور والتطور.

وقد انعكس هذا التحول على مستوى اكتشاف المواهب الوطنية، فلم نعد نشهد بروز نجوم بنفس الزخم الذي كان في السابق، وهو ما قد يؤثر مستقبلًا على أداء المنتخب الوطني والأندية في المنافسات القارية والعالمية.

من هنا، تبرز أهمية إعادة التوازن في السياسات الرياضية، عبر منح مساحة أكبر للاعب السعودي، والعمل على تطوير القواعد المحلية، بما يسهم في استعادة وهج الكرة السعودية ومكانتها، ويعزز دورها كأداة فعّالة من أدوات القوة الناعمة للمملكة.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى