«رحى لطيفة»
لا أعلم إن كانت القلوب تُرسل رسائلها حقًا،
أم أن الحب حين يستقر فينا…
يُصبح هو الرسالة بحد ذاته.
أحيانًا،
يخطر أحدهم في البال بلا موعد، وبلا استئذان،
فنظن أنه قد نادانا،
وأن بيننا خيطًا خفيًا
يمتد من شعوره إلى شعورنا.
لكنني… بعد تأملٍ عميق،
أدركت أن الأمر أعمق من ذلك.
ليس لأن القلوب تُرسل،
بل لأن بعض الأشخاص
لا يغادروننا أصلًا.
يسكنون في زاويةٍ هادئة من الروح،
نحملهم دون أن نشعر،
ونستدعيهم دون أن نقصد،
فنظن أن الإحساس جاء منهم،
وهو في الحقيقة… كان فينا منذ البداية.
الحب لا يحتاج وسيلةً ليصل،
لأنه لا يرحل.
وما نشعر به فجأة،
ليس رسالةً عابرة،
بل حضورٌ قديم
يتجدّد فينا كل مرة
بطريقةٍ مختلفة.
وكأن في ذلك سرًا لطيفًا
أشار إليه قول النبي ﷺ:
«الأرواح جنودٌ مجنّدة،
ما تعارف منها ائتلف،
وما تناكر منها اختلف».
فليس كل شعورٍ طارئ،
ولا كل لقاءٍ وليد لحظته،
بل لعل الأرواح…
تلتقي قبل أن نعرفها،
وتتآلف قبل أن نسميها،
في عالمٍ لا تدركه الحواس،
ويترجمه القلب حين نلتقي.
هناك…
حيث يبدأ الإحساس
صافيًا كأنه وحي لحظة،
ونقيًا كأن الله أودعه فينا
ليدلّنا على بعضنا.
ثم…
لا يلبث هذا الشعور أن ينضج،
فلا يعود صاخبًا كما كان،
ولا محتاجًا لإثبات حضوره،
بل يهدأ… ويستقر.
فهدوءه وعد،
واستقراره عهد،
كُتب بقدر الله،
فتسكن الأرواح،
وتكتفي بنداءٍ خفي
لا يسمعه إلا القلب الصادق.
حبٌ لا يطلب ضجيجًا،
ولا يستعرض نفسه،
بل يُعاش بهدوءٍ عميق،
كأننا نحتسيه معًا
في صباحٍ يشبه الطمأنينة،
ونتدبّر معناه
في مساءٍ يشبه السكون.
وهنا…
لا يعود السؤال: هل القلوب تُرسل؟
بل: لماذا نشعر بهذا العمق دون سبب؟
لأن بعض المعاني…
لا تُكتسب،
بل تُستعاد.
أنت لستَ عابرًا في شعوري،
ولا اسمًا مرّ بين الأسماء،
بل أنت ذلك المعنى
الذي استقرّ… حتى لم أعد أبحث عنه،
لأنه أصبح جزءًا مني.
فيك لا أشعر بالضجيج،
ولا أحتاج أن أفسّر حضوري،
فكل شيء في داخلي
يعرفك… دون تعريف.
كأنك النبض
الذي لا أسمعه،
لكنه لا يتوقف.
وكأنك الوريد
الذي لا أراه،
لكنه يحمل الحياة إليّ
في صمتٍ كامل.
معك،
لا يشبه الحب ما يُقال،
بل ما يُعاش بهدوء،
حين يهدأ كل شيء،
ويبقى الشعور… واضحًا كاليقين.
لا أسأل: كيف؟
ولا متى بدأ؟
فبعض الأشياء
لا تبدأ حين نلتقي،
بل حين تتعارف الأرواح
في غيبٍ لا نراه…
ثم نأتي إلى الدنيا
لنُكمل ما كُتب لنا
بقلوبٍ تعرف الطريق.
فيا نبض الفؤاد…
يا ما لا يُقال ويُفهم،
يا سكينةً لا تُعلن نفسها،
لكنها تُطمئن كل ما فيّ…
ابقَ كما أنت،
حضورًا لا يحتاج سببًا،
وشعورًا…
يبقى دليلًا.
وفي ختام هذا الشعور،
أدرك أن هذا الربط الخفي
لا يقتصر على قلبٍ دون آخر،
ولا على حبٍ دون غيره،
بل هو سنّةٌ من سنن الحيّ القيّوم،
تجري في كل شيءٍ في الحياة،
يمتد أثرها حيث يشاء الله،
وتستقر حيث يأذن لها.
فمصدر هذا التلاقي
ليس لحظةً عابرة،
ولا إحساسًا مؤقتًا،
بل أصلٌ راسخ،
محكم التدبير،
من عند الله جلّ في علاه.
فهل نتفكّر؟





