المقالات

حين تصبح القصيدة بطاقة تعريفية إبداعية… قراءة تحليلية لنص” أنا” للشاعرة جوري العبدالله

طارق يسن الطاهر

‏شرقيةُ أنا…

‏يؤرّقني الغروبُ،

‏ويُفزعني العناقُ الأخيرُ.

‏ألهجُ بتوحيدِ ربِّ الشمسِ،

‏وأُؤخِّرُ التنوينَ عمدًا،

‏ولا أبني القصيدةَ.

‏أعتنقُ مذاهبَ السنابلِ،

‏وأدعو ألّا تلمعَ المناجلُ

‏وقتَ الحصادِ.

‏أُداري دمعتي،

‏وأَنزوي انتظارًا

‏في المحطّاتِ الباردةِ،

‏وفي الشوارعِ القديمةِ.

‏صديقتي أنا،

‏وأنا عدوّتي اللدودُ.

‏يحدثُ أن أتنازعَ معي،

‏وأقهرَ صمتي

‏بصمتٍ جديدٍ

‏وحيدةُ أنا،

‏ومُهمَلةٌ

‏وقتَ الزهوِ،

‏وعندَ ارتفاعِ العيدِ…!

جوري العبدالله

ــــــــــــــــــــــــ

القراءة:

      هل من وظيفة القصيدة تقديم فكرة عن الشاعر؟ وهل دورها أن تعرف به؟ وهل من أهدافها أن تشرح للمتلقي عن الشاعر؟

تساؤلات حيرى تتداعى على الذهن، وتهبط إلى الفكر حين يقرأ قارئ هذا النص الذي بين أيدينا.

أما الإجابة فهي:

ربما هذا صحيح، وغيره أيضا، فالمتأمل لقصيدة”أنا” للشاعرة الأستاذة جوري العبدالله ربما يظن أن هذا النص هو سيرة ذاتية للشاعرة، وربما يعتقد أنه ترجمة لحياتها، لكنه في الحقيقة هذا وذاك وغيرهما، فهو تعبير عن نفس تواقة تعرف عِظم إمكاناتها، وتدرك رفعة منزلتها، والشاعرة هنا تقول لنا هأنذا، ولا تتكئ على أية حمولات أخرى، ولا تعتمد على إرث من خارجها.

هو نص تقدم  فيه الشاعرة للمتلقي بطاقة تعريفية عنها، بطاقة مكتملة الأركان، من قرأها ووعاها يعرف من هي جوري العبدالله.

    جاء النص على نسق مختلف، ولو قلنا نص مقلوب فلن نجافي الحقيقة، وهكذا يكون الإبداع الأصيل أن تأتي بنص على غير المألوف، وغير النمطي. وهذا من جماليات قصيدة النثر.

     فالأستاذة جوري العبدالله تخالف – بإبداع -كثيرا من المسكوكات ابتداء من ترتيب الجملة، فتقدم الخبر وتؤخر المبتدأ “شرقية أنا” ومرورا بقولها:

وأُؤخِّرُ التنوينَ عمدًا،

‏ولا أبني القصيدةَ.

     فالتنوين مؤخر أصلا، ولكنها تؤخره عمدا واختيارا وقصدا، وليس اتّباعا للقاعدة المعروفة، ولا تبني القصيدة على عمودها الخليلي، وإنما تؤمن بأنها تعبّر عن مشاعرها، وتفصح عن مكنوناتها، فهذا هو المهم، لا يهم الشكل الذي جاءت عليه المشاعر، ولا القالب الذي برزت فيه المكنونات.

كما أن كل شيء مختلف في هذا النص، فالشاعرة صديقة نفسها، وعدوتها في الآن نفسه.

   لكنها تؤكد لنا على روحها المحلقة، وعلى إنسانيتها الطاغية، فهي تحب أن يبقى الجمال خالدا، لا تمسه يد:

‏وأدعو ألّا تلمعَ المناجلُ

‏وقتَ الحصادِ.

فهذه صورة بديعة أتت بها المبدعة جوري العبدالله، فهي تتحدث عن كونها تكره أن ترى المناجل لامعة، وهذا هو منطوق الكلام لكن مفهومه هو أن المناجل إن لمعت فهذا يعني أنها اشتغلت حصدا في النبات، وفي ذلك وأدًا للخضرة، وقتلا للجمال، وهذه رمزية طاغية أتت بها الشاعرة في ثوب قشيب وفي إطار زاهٍ؛ وما وراء الصورة يدل على أنها ضد كل من يعبث بأي جميل فهي تحب – ونفسها جميلة –أن يظل الجمال باقيا يهب الأنفس بهاءها وبقاءها.

بداية النص مشوقة، اختارت فيها الأستاذة جوري العبدالله الانتماء إلى مكان معين، والانتساب إلى اتجاه محدد.

وأوردت ذلك على أسلوب القصر معتمدة على طريقة تقديم ما حقه التأخير:

شرقية أنا

والغرض من ذلك الاهتمام بالمقدم والاختصاص، فهي تريد أن تبين أهمية المكان؛ لذا أوردته في البدء وقدمته.

ثم يطغى شعور الوحدة، الذي يحبّذه الشعراء والكتاب، وأيضا تقدمه لنا بأسلوب التقديم والتأخير:

‏وحيدةُ أنا

المتأمل في النص يلحظ طغيان الأنا على جميع جوانبه، وهذا أمر موفق؛ لأن النص يتحدث عن نفس الشاعرة، تقدم لنا فيه محاولة لتأكيد هويتها والتعريف بها.

عبرت عن الأنا ابتداء بعنوان القصيدة” أنا” ثم بضمير المفرد المتكلم منفصلا ومتصلا ومستترا:

شرقية أنا، وحيدة أنا/ يؤرقني، يزعجني/ ألهج، أقهر/ صديقتي، عدوتي…

   

وظفت الشاعرة التضاد بطريقة مميزة، ومثمرة، ومفيدة للنص، ومن ذلك:

شرقية -الغروب

صديقتي- عدوتي

فالتضاد هنا موضح للمعنى، ومبين لطبيعة الشاعرة التي تريد أن تقول لنا: بضدها تتبين الأشياء، كما قالها الكبير المتنبي، فالضد يظهر حسنه الضد كما قالها دوقلة المنبجي.

والشاعرة تحب أن تبقى قريبة لما تحب، لصيقة بمن تحب؛ فهي تخشى من البعد والفراق:

فالغروب يقلقها، والعناق الأخير مفزع لها:

يؤرّقني الغروبُ،

‏ويُفزعني العناقُ الأخيرُ.

حشدت الشاعرة قدرا من الحقول الدلالية للمعاني ومنها:

الحقول المكانية للمكان:

شرقية – الغروب – الشوارع القديمة – المحطات …

والحقول الدلالية للطبيعة:

السنابل – الشمس – الحصاد – المناجل …

للشاعرة منهجها الخاص في الحياة:

أُداري دمعتي

‏وأَنزوي انتظارًا

‏في المحطّاتِ الباردةِ،

‏وفي الشوارعِ القديمةِ.

فهي تتمتع بالصلابة وبالقوة، تهمي أدمعها – وهذه طبيعة البشرية- ولكنها تداريها حتى لا تتهم بالضعف والخور، وتنزوي ابتعادا، حتى لو لجأت إلى محطات باردة، وأماكن قلقة، وشوارع قديمة، لا ضير فهي مع نفسها أو مع مَن اختارت تكون أسعد، فذلك المهم؛ لأنها اختارت، والقدرة على الاختيار شجاعة حتمية، قد لا يمتلكها كثيرون، فهي القائلة في موضع آخر غير النص:

هُويّاتُنا هي حصيلةُ اختياراتِنا الشجاعة

شجاعتُك كانت قُربًا، وشجاعتي في البقاء

ورغم كل تلك الصلابة التي وصفت بها نفسها، وكل ذلك الصبر الذي تتحلى به، لكنها تشكو الإهمال عند لحظات الزهو، وفي أوقات الفرح:

وحيدةُ أنا،

‏ومُهمَلةٌ

‏وقتَ الزهوِ،

‏وعندَ ارتفاعِ العيدِ…!

أجادت الشاعرة تماما في وضع علامات الترقيم؛ حيث أوردت النقاط الثلاث- وهي علامة الحذف – دلالة على أن أوقات إهمالها تأتي في أكثر من لحظات الزهو والعيد فقط، كما وضعت علامة التأثر والتعجب لتبين لنا أنها تتعجب من حجم المرارة.

توظيف السنابل كان موفقا جدا فالسنابل ترمز إلى الخير الكامن في نفس الشاعرة، والخصب الذي ترجوه للأرض؛ حيث تدعو ألا تلمع المناجل وتعمل حصدا في النبات…

تتناص الشاعرة مع نفسها في نصوص أخرى لها، ومن ذلك التناص مع نصها البديع “لولا الريح”؛ حيث تقول فيه:

يؤرقني الصهيل المبتور

وهنا تقول:

‏يؤرّقني الغروبُ

فما هذا الأرق الدائب لديها؟ والمستوطن في قلبها الرقيق؟!

إنه قلب شاعرة، ونفس محبة، فمن الطبيعي أن تكون روحها قلقة، كحال أرواح المحبين، ويكون قلبها معلقا بين الأرض والسماء، كحال قلوب المبدعين.

وتتناص أيضا مع نصها مساحة للرقص، حينما قالت:

نفقأ عين البعد

وهنا تقول:

‏يؤرّقني الغروبُ،

‏ويُفزعني العناقُ الأخيرُ.

لكنها هنا أبدت فزعها من البعد والفراق، أما في “مساحة للرقص” فقد استعانت بالحبيب ليفقآ – معًا -عين البعد.

كما تهتم الشاعرة كثيرا بتوظيف الاتجاهات بكل تفاصيلها ودلالاتها المباشرة وغير المباشرة، فتقول في نصها “مساحة للرقص”:

تراني في الاتجاه الخامس

أهدهد رعشة شفاه الياسمين

وهنا تقول:

شرقية أنا

يؤرقني الغروب

حفل النص بعدد كبير من الأفعال التي سيطرت عليه؛ فقد أوردت الشاعرة اثني عشر فعلا في نص قصير؛ مما منح النص حركة دؤوب تتسق مع الاتجاهات المذكورة في النص؛ لتبرز لنا عبقرية المكان، وتؤكد على قوة الحركة؛ لأن الأفعال توحي بالتجدد والحدوث:

يؤرقني، يفزعني، ألهج ، …

ولم تغب الأسماء بدلالاتها عن النص، فحين يكون المعنى متطلبا الثبوت والاستمرار تستخدم الشاعرة الأسماء:

شرقية، وحيدة، صديقتي أنا…

من النصوص النادرة التي يغيب فيها الإنشاء بنوعيه الطلبي وغير الطلبي، ويسيطر الخبر على جميع النص، والمتأمل الحصيف يدرك أن ذلك منطقي جدا، وطبيعي تماما؛ فالنص بطاقة تعريفية للشاعرة- كما أسلفت ابتداء- فلا مكان هنا للإنشاء.

إنه نص مكثف يحمل معاني عميقة، ودلالات عميقة، لو أرادت الشاعرة بسط كل ذلك لطال النص جدا، لكنها آثرت التكثيف وفضلت التركيز، وخير الكلام ما يغني قليله عن كثيره، ما دام الرسالة وصلت للمتلقي، وهذا من أبرز سمات قصيدة النثر التي تعتمد الظلال في المفردات، والعمق في المعاني والموسيقا الداخلية التي تمنح النص جرسا يجعل القارئ مستَلَبًا ومأخوذًا.

     لغة الشاعرة لغة سليمة، لا هنات فيها، ولا أخطاء، مفرداتها ذات ظلال وإيحاءات، تراكيبها متسقة دالة على معانيها.

إنه نص عميق، اكتست معانيه ثوبا لغويا قشيبا، يمثل خير نموذج لقصيدة النثر التي اتخذت لها موقعا مرموقا بين أجناس الأدب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى