المقالات

العيب والحرام… بين قيمة اجتماعيةمتغيرة ونص شرعي ثابت

تطرق كثير من رجال الدين ورجال الفكر والاجتماع إلى موضوع العيب والحرام، فهناك من لايعترف بالعيب تمامًا، وهناك من جعل العيب يرتقي إلى مرتبة الحرام… وفي رأيي أن الحرام والعيب ليس بينهما تضاد أو تناقض، بل هناك معنى عام يمثله الحرام ومعنى خاص يمثله العيب فكل حرام عيب وليس بالظرورة كل عيب حرام… والحرام بيّن من نصوص شرعية ثابتة لاتتغير إلا بموجب نوازل ونصوص أخرى شرعية يستند عليها وتنزل على تلك الحوادث والنازل، بينما العيب يعتبر قيمة اجتماعية تعمل على ضبط سلوك الفرد والمجتمع وقد تتغير حسب الزمان والمكان والمجتمع نفسه فما يكون عيب لدى مجتمع معين ليس بالضرورة عيب في مجتمع آخر، وماهو معيب اليوم قد يكون غداً سلوك عادي ومقبول… وليس معنى هذا التجرد من هذه القيمه بل إنني أُأكد عليها واعتبرها مقص الرقيب على سلوك الفرد؛ لأنه وللأسف في ظل غياب هذه القيمة الإجتماعية أصبحنا نشاهد سلوكيات غير منضبطة وتمس الذائقة العامة والقيم والمبادئ، بل وأصبحت تلامس المصطلح العام ((الحرام)) لخروجها من المصطلح الخاص ((العيب))… وأيضًا للأسف أن البعض عندما تنكر عليه سلوك معيب يرد بـ: هل ذلك حرام؟ لأنه فقد قيمة إجتماعية ضابطة للسلوك.. ومانراه اليوم من مغالطات في الحرية الفردية نتاج ذلك، حيث نرى مثلاً نمط الحجاب ففيه اختلاف في كشف الوجه من عدمه، ولكن الذي أصبح يشاهد ليس الوجه الذي يكشف فقط بل أكثر من ذلك وبزينة كاملة ولباس فاضح وكذلك الشباب والتقليعات التي نراها سواء في قصات الشعر أو إرتداء السلاسل والأساور ونقش الوشم فخرج عن العيب إلى الحرام، وأسباب ذلك فقد ثقافة العيب…

والتمسك بالعادات والتقليد والسلوكيات التي تتماشى مع الشريعة الإسلامية وفطرة الإنسان السليمة، ليس برجعية ولاتخلف بل يعتبر هوية إجتماعية للمجتمع يجب المحافظة عليها، سواء فيما يتعلق باللباس أو الشكل الخارجي للإنسان أو في التعامل مع الغير أو تراثنا الفكري والإجتماعي ولاننصرف ونتأثر بالغير؛ الذي ربما يسعى لتغيير الهوية بداعي الحرية والتطور والرقي لأن تلك المجتمعات تقدس الحريات الفردية ولو على حساب البعد الإجتماعي…
وعلية فإنه لايصح تجاهل القيمة الإجتماعية لكلمة العيب ودورها في ضبط السلوك والحفاظ على الهوية الإجتماعية، ولايصح أن تصبح أيضاً سوط مسلط على سلوكياتنا وتحدنا من التحرك بإيجابية؛ بل يجب أن يكون هناك اعتدال وتوازن في التعامل والنقد…
والشرعية الإسلامية أقرت العادات والضوابط الإجتماعية السليمة، ونبذت ماتعارض مع مبادئ الدين، وجعلت العرف حكم من أحكام الشريعة، فالعيب طبع أصيل وأسلوب حياة راقٍ ومهذب ورادع وضابط للسلوك واداة لتعزيز الذوق العام والشعور بالانتماء؛ فيجب أن نربي أبناءنا على قيمة العيب الإجتماعية ودورها في بناء مجتمع مهذب، يقول المثل: إذا لم تستحي فاصنع ماشئت، وفي الأثر: إن الله ليزرع بالسلطان مالايزرع بالقرآن. والعيب يزع به أيضاً أي سلوكيات وقيم غير منضبطة ولا أخلاقية، فقد تربينا على ذلك ونرى ثمارها في تصرفاتنا الدينية والدنيوية؛ لأنه متى ضعف الوازع الديني تجد الوازع الإجتماعي المتمثل في العيب يقوم بضبط سلوكنا من الإنجراف وراء الأهواء وحفظ الحقوق المجتمعية والآداب العامة…
وبالتالي فإن الضابط والمعيار للعيب أن مالم يعارض تعاليم الدين من القيم والعادات والسلوكيات فيجب أن نحافظ عليها وننمي ذلك في النشئ؛ لأن أي مجتمع له خصوصيته التي تحترم من غير التنمر على الآخرين في قيمهم وعاداتهم مالم تخالف قواعد الدين وتعاليمه… ولايجب الخلط بينهما بل يجب إيجاد توازن بين المفهومين وخلق وعي إجتماعي وفردي يميز بينهما مع الأخذ في الإعتبار أن معيار العيب متغير ومعيار الحرام ثابت..وأسأل الله أن يصلح أحوالنا ويرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه وأن يحفظ أبناءنا من كل شر…

اللواء م. علي بن محمد الغيلاني

نائب مدير شرطة منطقة جازان سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى