منذ صدور الأمر الملكي الكريم بتعيين صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور/حسام بن سعود بن عبدالعزيز
أميرًا لمنطقة الباحة، بدأت المنطقة تشهد تحولًا تدريجيًا جادا لم يقتصر على توسع المشروعات أو تنوعها، بل امتد ليطال منهج العمل التنموي ذاته. فقد برز توجه واضح نحو إعادة صياغة العلاقة بين القرار الإداري والواقع الميداني، في إطار يتسق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، وبدعم متواصل من القيادة الرشيدة التي أولت المنطقة اهتمامًا نوعيًا ضمن منظومة التنمية الوطنية.
يتجلى أحد أبرز ملامح هذا التحول في الانتقال من نمط الإدارة المكتبية إلى الحضور الميداني الفاعل. إذ حرص سموه على استضافة الوزراء وكبار المسؤولين، بما يتيح لهم الوقوف المباشر على احتياجات المنطقة وتحدياتها بدلًا من الاكتفاء بالتقارير. ولم يكن هذا التوجه إجراءً شكليًا، بل أسهم في تحسين جودة القرار وربطه بسياقه الواقعي، بما عزز كفاءة التنفيذ.
وشملت هذه الزيارات قطاعات حيوية متعددة، من البلديات والإسكان إلى السياحة والبيئة والمياه والزراعة والتقنية، وصولًا إلى الصناعة والثروة المعدنية وغيرها. ولم تأت هذه اللقاءات في إطار بروتوكولي تقليدي، بل تحولت إلى منصات عمل تنفيذية جرى من خلالها تحديد الأولويات، وتسريع الإجراءات، وتعزيز التكامل بين التخطيط والتنفيذ.
انعكس ذلك في حراك تنموي متوازن شمل تطوير البنية التحتية، وتحسين جودة الخدمات الصحية والتعليمية والتقنية، والارتقاء بالمشهد الحضري، إلى جانب تنشيط القطاع السياحي بوصفه أحد أبرز محركات الاقتصاد المحلي. كما امتدت هذه الجهود إلى المحافظات والمراكز، بما يسهم في تقليص الفجوات التنموية داخل المنطقة وتعزيز عدالة توزيع مكتسبات التنمية.

ومن السمات اللافتة في هذه التجربة اعتماد نمط المتابعة المباشرة والمستمرة، عبر الحضور الميداني واللقاءات المتواصلة مع الجهات التنفيذية. وقد أسهم ذلك في تقليص فجوات التنفيذ التي تعاني منها النماذج الإدارية التقليدية، ورفع وتيرة الإنجاز بشكل ملحوظ، كما حوّل المتابعة من أداة رقابية إلى آلية ديناميكية لتحسين الأداء المؤسسي بصورة مستمرة.
وفي امتداد لهذا النهج، تبرز (جائزة الباحة للإبداع والتميز بوصفها) إحدى الأدوات المؤسسية التي تعكس توجهًا نحو ترسيخ ثقافة الإبداع والتميز داخل المنطقة. ويُحسب لسموه الإشراف على هذا المسار بمختلف فروعه، بما أسهم في نقل الجائزة من إطار تكريمي محدود إلى منصة تحفيزية تدعم وتشجع المبادرات النوعية، وتعزز جودة الأداء المؤسسي والفردي. ويظهر في هذا التوجه أثر التكوين العلمي لسموه، المرتبط بدرجاته العليا في الاقتصاد، حيث يتجلى ذلك في تبني مقاربة تنموية ذات طابع مؤسسي تقوم على ربط الأولويات بالكفاءة الاقتصادية وتعظيم الأثر، وبناء آليات تحفيز قائمة على التنافسية المنضبطة، وربط التميز بمؤشرات أداء قابلة للقياس، بما يعزز من استدامة الأثر التنموي ويمنحه طابعًا مؤسسيًا متراكمًا.
إلى جانب ذلك، يبرز البعد الإنساني في الممارسة الإدارية من خلال القرب من المواطنين والتفاعل المباشر معهم والوقوف على احتياجاتهم. وهذا التوجه لا يعكس العلاقة الوطيدة بين القيادة و المواطنين فحسب، بل يعزز الثقة المجتمعية و يسهم في تحسين مواءمة السياسات مع الواقع، ويتيح تغذية راجعة مستمرة تدعم تصحيح المسار ورفع كفاءة التنفيذ، بما يعكس توازنًا واضحًا بين الحزم الإداري والمرونة الإنسانية.

وفي سياق ترسيخ هذا المنهج بوصفه ممارسة مؤسسية ممتدة، لا جهدًا فرديًا معزولًا، يكتسب المسار التنموي بعدًا إضافيًا مع تعيين صاحب السمو الأمير فهد بن سعد بن عبدالله بن عبدالعزيز بن تركي نائبًا لسمو أمير المنطقة، في خطوة تعكس توجهًا نحو تعزيز تكامل القيادة الإدارية داخل المنطقة. فمع اتساع نطاق المشاريع وتزايد تعقيدها، تبرز أهمية توزيع الأدوار القيادية بما يضمن استمرارية الأداء ورفع كفاءة المتابعة. ولا يقتصر هذا الدور على البعد التنظيمي، بل يمتد إلى دعم منهج العمل القائم على القرب من الميدان والتفاعل مع الواقع التنموي، بما يعزز من قدرة الجهاز الإداري على الاستجابة، ويحد من فجوات التنفيذ. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى هذا التعيين بوصفه عنصرًا داعمًا لاستدامة النموذج الإداري ومعززا لنفوذه وإدارته.
أما مستقبل منطقة الباحة، فيبدو واعدًا في ضوء ما تمتلكه من مقومات طبيعية وتنوع بيئي يؤهلها لتكون وجهة متميزة في السياحة الجبلية والزراعية والبيئية والرياضية. وعلى هذا الأساس، فإن ما شهدته المنطقة خلال السنوات الماضية لا يُختزل في توسع المشروعات، بل يعكس تحولًا في فلسفة إدارة التنمية، قائمًا على الارتباط بالميدان واستمرارية المتابعة والبناء التراكمي للإنجاز، وهو نموذج يتسم بالتدرج في مظهره، والعمق في أثره، والديمومة في نتائجه، بما يجعله إطارًا تنمويًا قابلًا للبناء عليه والاستفادة منه في سياقات مماثلة.
• أكاديمي
