المقالات

الجمال: بين الذائقة والذاكرة… هل نراه أم نتعلمه؟

نحن لا نولد بذائقة مكتملة، كما لا نولد بلغة جاهزة. فاللغة التي نتحدث بها ليست اختيارًا واعيًا، بل نتيجة لما سمعناه وتكرر أمامنا حتى استقر في وعينا. وكذلك الجمال؛ ما نعدّه جميلًا اليوم هو، في جانب كبير منه، حصيلة ما تعلمنا أن نستحسنه عبر التكرار والتجربة. نألف أشياء فنراها جميلة، وننفر من أخرى لأننا لم نعتدها. لذلك يبدو الجمال ثابتًا في أعيننا، بينما هو في حقيقته متحول وديناميكي، يتبدل بتبدل خبراتنا أكثر مما يتبدل بتغير الأشياء نفسها.

في الثقافة العربية القديمة، لم يكن الجمال وصفًا للهيئة بقدر ما كان وصفًا للأثر. فالشعر لم يكتفِ بتفصيل الملامح، بل التفت إلى ما تتركه في النفس: وقع الصوت، ورهافة المعنى، وحضور الصورة.
كان الجمال تجربة نحس بها، لا مجرد شكل نراه. وهذا قريب من اللغة نفسها؛ فالكلمة لا تكتسب معناها من حروفها فقط، بل من سياقها وتاريخ استخدامها (مع وجود استثناءات قليلة يلامس فيها الصوت المعنى مباشرة). ومع ذلك، يبقى هذا الاستثناء محدودًا، بينما الغالب أن المعنى – كالجمال – يتشكل عبر التراكم والسياق لا عبر البنية وحدها.

وفي واقعنا المحلي، تكشف التفاصيل اليومية كيف تتشكل الذائقة. رائحة دهن العود، مثلًا، ليست مجرد تفضيل عطري في ثقافتنا، بل ذاكرة مكتسبة: مناسبات، ومجالس، وإحساس بالمكان. من نشأ في هذه البيئة يراها جمالًا متكاملًا، بينما قد تبدو لغيره ثقيلة أو غير مألوفة، وربما مستهجنة. وفي المقابل، تنتشر العطور العالمية بقبول أوسع، لا لأنها “أجمل” في ذاتها، بل لأنها صيغت لتكون أقرب إلى ذائقة مشتركة، أقل ارتباطًا ببيئة بعينها.

والمثير في هذا السياق أن ذائقتنا لا تظل ثابتة حتى داخل هذا الإطار العالمي. فكثير من العطور التي كانت تُعد قبل سنوات مثالًا للجاذبية والأناقة، لم تعد تُستقبل اليوم بالحماسة نفسها، بل قد توصف بأنها “قديمة” أو “تقليدية”. وكأن الذائقة لا تتغير من تلقاء نفسها فحسب، بل تتحرك أيضًا مع ما يُقدَّم لها ويُعاد تقديمه. هنا يبرز دور العلامات التجارية، لا بوصفها منتجًا للجمال فقط، بل فاعلًا في تشكيله، إذ تسهم – بشكل مباشر أو غير مباشر – في توجيه ما نستحسنه وما نتجاوزه. وبقدر ما نختار، نجد أنفسنا أيضًا نتأثر بما يتم اختياره لنا.

وكما نكتسب لهجاتنا من محيطنا، نكتسب أيضًا حساسيتنا تجاه الروائح والألوان والأصوات.
هذا الاختلاف لا يقف عند حدود المكان، بل يمتد عبر الزمن. ما كان جميلًا في الماضي لا يُرى بالعين ذاتها اليوم. لكننا لا نلغيه تمامًا، بل نعيد قراءته. حين ننظر إلى بيت قديم، أو قطعة أثاث، أو حتى أسلوب عيش بسيط، قد نراه جميلًا، لا لأنه يوافق معاييرنا الحالية، بل لأنه ارتبط في ذاكرتنا بلحظات ذات معنى. هنا لا يكون الجمال في الشيء نفسه، بل في العلاقة التي نشأت بيننا وبينه ذات يوم.

وعلى المستوى العالمي، يتجلى هذا التحول بوضوح في صناعة الصورة، كما في السينما. فالجمال الذي تجسّد في صورة الممثلة مارلين مونرو، بما يحمله من أنوثة كلاسيكية وامتلاء، لم يبقَ المعيار ذاته، إذ برز لاحقًا نموذج مختلف في الستينيات مع تويغِي (Twiggy) وباربي، حيث أصبحت النحافة الحادة والأرجل الطويلة سمة جمالية سائدة، وجدت طريقها وبُثّت عبر المجسمات البلاستيكية. ثم تغيرت المعايير مرة أخرى في العقود اللاحقة نحو أنماط متعددة. هذا التبدل لا يعني أن الجمال تغيّر في جوهره، بل أن الطريقة التي تعلمنا بها رؤيته هي التي تغيرت.

ومن هنا، قد نقول إن الجمال لا ما نقيسه فقط، بل ما نتعلمه. نتعلمه كما نتعلم اللغة: عبر التكرار، والمحاكاة، والانتماء إلى بيئة محددة، وهو تصور يقارب تلك الرؤية التي ترى الاكتساب ثمرة للتجربة والتفاعل، لا مجرد بنية فطرية مكتملة. ثم نتصور لاحقًا أننا نراه بشكل طبيعي، بينما نحن في الحقيقة نعيد إنتاج ما تعلمناه، ونمنحه صفة البداهة.

لكن هذا لا يلغي وجود مساحات مشتركة. فالعولمة والزخم التقني الهائل الذي نعيشه، بما يتيحانه من تداخل مستمر بين الثقافات، ساهما في تقريب بعض الأذواق، حتى بدا وكأن هناك “ذائقة عامة” تتشكل تدريجيًا. فبعض العطور، أو الأزياء، أو الأنماط البصرية، تحظى بقبول واسع عبر ثقافات مختلفة. ومع ذلك، لا تختفي الفروق تمامًا، بل تستمر إلى جانب هذا التقارب، كما تستمر اللهجات رغم وجود لغة مشتركة.

الجمال، إذن، ليس مفهومًا جاهزًا، ولا حكمًا مطلقًا، بل علاقة وطيدة بين ما نراه، وما تعلمنا أن نراه، وما نحتفظ به في ذاكرتنا. وربما لهذا السبب، لا يكون السؤال الحقيقي: ما هو الجميل؟ بل: لماذا يبدو لنا كذلك؟

• أكاديمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى