**”كلف مصطفى أمين رئيس تحرير صحيفة الأخبار المصرية -رحمه الله- أحد صغار العاملين بمكتبه بإرسال مقاله الشهير «فكرة» إلى صالة التحرير لكي يأخذ طريقه إلى المطبعة كما هو المعتاد لكن العامل أخذ المقالة ووضعها فى جيبه حتى يهبط من الدور التاسع إلى الدور الأول حيث صالة التحرير وفى الطريق نسي تمامًا أنه يجب أن يُعطي المقال لسكرتارية التحرير ، بل وأكمل طريقه إلى منزله ومرت الساعات والصفحة الأخيرة متوقفة على «فكرة» مصطفى بك التي لم تصل بعد للمطبعة ، وأخذ الجميع يبحث عن العامل ولم يجدوا له أثرًا ، وتأخرت عملية طباعة الجريدة ، واضطر مدير التحرير إلى إعادة نشر أحد الأعمدة السابقة من «فكرة» ودارت المطبعة متأخرة عن موعدها !!.
وعندما وصل العامل صباح اليوم التالى للجريدة قوبل بعاصفة من الأسئلة والتوبيخات وأن عليه أن يتلقى جزاءه من مصطفى بك الذى كان ثائرًا وفى حالة عصبية حتى أنه قال “ارفدوه ده ما ينفعش يشتغل خالص” ،وعندما قالوا له “ده مُش متعين” قال لهم “عينوه وارفدوه” !!.
وعندما توسط البعض وقالوا للعامل ادخل اعتذر لمصطفى بك وسمحوا له بالدخول وكان مصطفى أمين مازال ثائرًا فإذا بالعامل يقول له “يا مصطفى بك دي فكرة واحدة وسيادتك أبو الأفكار فمعلش آخر مرة ومش هتحصل تاني !!.
فما كان من أمين وأمام ما سمعه من العامل إلا أن سامحه وأعاده للعمل” !ماورد بالأعلى جزء من مقالة نُشرت مؤخرًا للكاتب محمد الشماع بصحيفة الأخبار المصرية ، وبالطبع هذه قصة من مئات القصص التي تحدث بالتأكيد يوميًا في صالات التحرير خاصة في العصر الذهبي للصحف الورقية ، وكم كانت مذكرات الأديب والصحافي كامل الشناوي تحمل الكثير من المواقف الشيقة والطريفة والصعبة في الوقت نفسه والتي كتبها في مقالاته ونشرت عبر كتابه الماتع “يوميات كامل الشناوي” ،
**تذكرت ذلك الآن تحديدًا وأنا أقرأ مقالةً جميلةً هنا بصحيفة مكة “الغراء” للصحافي القدير محمد المختار الفال والتي نعى من خلالها أحد كبار صناعة النشر في العالم العربي الرائد محمد علي حافظ -رحمه الله- ، والذي انتقل إلى جوار ربه الأحد الماضي وهو من يُصنف كأحد رواد الصحافة بالمملكة وأصغر رئيس تحرير سعودي حيث تولي رئاسة تحرير صحيفة “المدينة” في الخامسة والعشرين من عمره ، والمفارقة أنه ولد في ذات يوم تأسيس الصحيفة ، والمفارقة الأخرى أنه تتلمذ على يد التوأم الصحفي الأشهر بالسعودية والده علي حافظ وعمه عثمان حافظ ، وتلقي فترة تدريب على يد التوأم الصحفي المصري الأشهر مصطفى وعلي أمين في “دار أخبار اليوم” ، وليعود بعد ذلك ويكمل مسيرة والده وعمه وهما ممن ساهموا في تأسيس وتطوير الصحافة السعودية منذ ثلاثينيات القرن العشرين .
**وحين أقرأ عن بعض ماقدمه «آل حافظ» عمومًا -علي ، عثمان ، محمد ، هشام للصحافة السعودية من تأسيس ونقلة وتطوير فإني لأُمني النفس بأن رواد الصحافة السعودية عمومًا مثل آل حافظ وأحمد السباعي ، ومحمد صلاح الدين ، وتركي السديري ، ومحمد الوعيل وغيرهم قد سجلوا ووثقوا مثل هذه المذكرات أو اليوميات بما فيها من مواقف مع الزملاء في التحرير والكتاب والمتعاونين والقراء وما يطرأ على التوزيع والطبعات من ظروف وأخطاء بالإضافة للاعتراضات والشكاوى التي تصلهم على بعض المواد أو المانشتات والعناوين واللقاءات ، وطبيعة التنافس مع الصحف الأخرى وغير ذلك الكثير والكثير ، فالعمل الصحفي كما هو معلوم “محرقة” وفيه عملٌ ومجهودٌ جبار وقلقٌ وتوترٌ ، أو كما وصفه الدكتور هاشم عبده هاشم رئيس تحرير صحيفة عكاظ السابق من خلال عنوان كتابه “الطريق إلى الجحيم” ، ولذلك لعل هذا الأمر لا يفوت الآن على الأساتذة -أطال الله في أعمارهم- خالد المالك وعثمان العمير ومحمد التونسي وعثمان الصيني وفهد عقران وقينان الغامدي وعلي حسون ومحمد المختار الفال وجميل الذيابي وغيرهم






