المقالات

شجرة البصيرة

«رحى لطيفة»
لطالما تأملت البصيرة،

وسألت نفسي: كيف يمكن أن تُرى وهي ليست عينًا،

ولا صورة،

ولا شيئًا يُمسك باليد؟

حتى أدركت—بعد تأمل—

أن البصيرة في حقيقتها

تشبه شجرةً من زجاج.

شجرةٌ شفافة…

لا تحجب شيئًا،

بل تعكس كل ما أمامها بصدق،

وتنفذ—بصفائها—إلى ما وراء الحجب.

ترى الظاهر…

لكنها لا تقف عنده.

وتبصر المشهد…

لكنها لا تنخدع به.

وتلتقط الإشارة…

قبل أن تكتمل العبارة.

تلك هي البصيرة…

حين يقذف الله نوره في القلب.

وهنا يتجلّى المعنى الإلهي العظيم في قول الله تعالى:

(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ…)

— القرآن الكريم

وكأن هذا التصوير الرباني العجيب

لا يصف الضوء فحسب…

بل يكشف لنا سرًّا أعمق:

أن النور حين يمرّ عبر الزجاج الصافي…

يظهر أنقى،

وأوضح،

وأبعد أثرًا.

وكذلك القلب.

فكلما كان الإنسان أكثر صفاءً من الداخل،

وأصدق مع نفسه،

وأقرب إلى خالقه،

وأشد اتصالًا بالله…

كانت شجرة بصيرته أكثر نقاءً،

وأشد شفافية،

وأصفى انعكاسًا للحق.

فالروح ليست مادةً تُرى،

ولا وزنًا يُقاس،

بل أمرٌ رباني، كما قال سبحانه:

(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)

— القرآن الكريم

وحين تكون النفس طاهرة،

والقلب حيًّا،

والفطرة غير مثقلة…

يمدّ الله تلك الروح بنورٍ آخر؛

نورٍ لا تقف حدوده عند الحواس،

ولا ينتهي عند الظاهر،

بل يخترق ما وراء الصورة،

وما خلف الكلمات،

وما بين المواقف،

وما خلف الصمت.

فتظهر الأشياء كما هي،

لا كما تُزيّنها الأهواء،

ولا كما يلوّنها الخوف،

ولا كما يخدع بها الضجيج.

لكن حين تثقل الروح…

وتتراكم الذنوب،

وتكثر الغفلة،

ويضعف الصدق،

ويعلو صوت النفس على صوت الفطرة…

يبدأ شيء آخر بالتكوّن.

تتراكم على تلك الشجرة طبقاتٌ خفية؛

على جذعها،

وعلى أغصانها،

وعلى أوراقها،

وحتى على ثمارها.

شيئًا فشيئًا…

تفقد صفاءها.

لا لأنها لم تُخلق نقية،

ولا لأن النور انقطع عنها…

بل لأن ما تراكم عليها

بدأ يحجب عنها استقبال ذلك النور.

وهنا يتجلّى المعنى الإلهي العميق في قول الله تعالى:

(كَلَّا بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)

— القرآن الكريم

فالران…

ليس ظلامًا يُلقى على القلب دفعةً واحدة،

بل طبقاتٌ تتشكل بصمت؛

ذنبٌ فوق ذنب،

وغفلةٌ فوق غفلة،

وتبريرٌ فوق تبرير…

حتى يصبح الإنسان يرى،

لكن لا يبصر…

ويسمع،

لكن لا ينفذ إلى المعنى.

فتبقى العين مفتوحة…

لكن القلب لا يبصر

إلا بحدود ما تمنحه الحواس.

وهنا نفهم أن النور

لا يُمنح لمجرد النظر…

بل لصفاء المحل.

فكلما صفا القلب،

وتطهّرت النفس،

وصدق الإنسان مع ربه،

عادت تلك الشجرة إلى أصلها…

شفافة…

نقية…

مضيئة…

تبصر الحق…

ولو اختبأ خلف ألف حجاب.

فهل نحرس شجرة البصيرة… قبل أن تغشاها التراكمات ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى