منتخب إسبانيا، بطل عالمي، كفيل بأن يُربك أي منتخب من منتخبات المجموعة، إلا أن ما حدث للأخضر في احتضان شباكه بكل ودٍّ لثلاثة أهداف في ربع الساعة الأولى، وهدف رابع ذاتي الصنع كهدية مجانية، لم يكن المستوى الفني والتكتيكي إلا نصف الحقيقة.
في التخصصات النفسية والاجتماعية في المجال الرياضي، يُعد النصف الآخر للحقيقة عامل التحفيز والدافعية، إذ يلعب دورًا هامًا، وله العديد من المصطلحات العلمية، كمصطلح (الفاعلية الجماعية)، وهي قدرة الفريق على الوعي الجمعي، وهو ما يمكن تفسيره باعتبارات اللاعبين الذهنية قبل المباراة. وتطبيقًا لما حدث للاعبي منتخبنا الوطني، كانت الخسارة محسومة سلفًا في قلوبهم قبل عقولهم.
هذا الوعي الجمعي يتفشى بين اللاعبين دون إدراك منهم، في نظراتهم، ولغة جسدهم، وضعف القدرة على الصمود، وكل ذلك يُعزى إلى عدم الإعداد النفسي الجماعي، فيتراجع الأداء دون قرار، ويصابون بعدوى القلق والإحباط، أو ما يُطلق عليه علميًا (العدوى الانفعالية)، التي تُربك اللاعب إلى الحد الذي يجعله يسجل في مرماه.
ولعل اللافت أن بعض رموز الكرة تحدثوا عن هذه الحقيقة بلغة أبسط من المصطلحات الأكاديمية. ففي أحد مقاطع الأسطورة محمد نور، لم يكن يتحدث عن نظريات التحفيز أو نماذج الدافعية، بل عن معنى أكثر عمقًا وبساطة؛ أن المصاعب والضغوط والتحديات ليست دائمًا سببًا للانكسار، بل قد تكون الشرارة التي توقظ في اللاعب عزيمته الكامنة. فالفريق الذي يحوّل الخوف إلى حافز، والضغط إلى مسؤولية، والعقبات إلى رغبة في إثبات الذات، يمتلك ميزة نفسية تسبق صافرة البداية. إنها حكمة فطرية صاغتها التجربة قبل أن تؤكدها الدراسات العلمية: فالدافعية الحقيقية كثيرًا ما تولد من اليأس، وتُصنع من قدرة الإنسان على تحويل الاحباط إلى طاقة، والشك إلى إصرار، والخسارة المحتملة إلى رغبة في المتعة والابداع قبل خوض المعركة.
وبالنظر إلى تجارب المنتخبات التي تولي اهتمامًا بجانب التحفيز النفسي والبناء الجماعي باعتباره ضرورة لا رفاهية، نرى منتخب ألمانيا الذي رافقه الدكتور هانس ديتر هيرمان، المختص في هذا المجال، في كأس العالم التي تُوِّج بها عام 2014 في البرازيل.
ولا تزال في ذاكرتي الدكتورة بيبا جرانج التي أحدثت ثورة في صفوف منتخب إنجلترا.
لا أخفيكم، تنبأت بالنتيجة رغم كل الآمال، فلم أشاهد المباراة إلا بعد نهايتها.
اقتباس:
“إذا تعثرت فانهض.. وتذكّر أن الهزيمة النفسية أخطر من الظروف الصعبة حولك.”
ـ غازي القصيبي.



