المقالات

يا فرحتي كتبي قبل شهادتي ؟!

في زمن تسير فيه الأمور عكس المنطق، وتتسابق فيه الأحداث لتفوق حدود الواقع الذي نعيشه، بدأتُ أقتنع أن عجلات الزمن لم تعد تدور بانتظام، بل أصبحت تختصر المسافات والمراحل بشكلٍ يثير الدهشة! ولعل أحدث صيحات هذا التسارع العجيب، هو ذلك القرار الميمون والتوجه المحمود الذي اتخذته وزارة التعليم والقاضي بتوزيع كتب العام الدراسي القادم على الطلاب، قبل أن يجف حبر امتحانات عامهم الحالي، وقبل أن يعرف الطالب أصلاً إن كان ناجحاً بمرتبة الشرف، أم راسباً بمرتبة الفشل! فقد جاءت الكتب الدراسية للعام القادم قبل أن تأتي شهادته للعام الحالي! وكأن الرسالة تقول له:لا تنشغل كثيرًا بما مضى، فالمستقبل ينتظرك على عتبة الباب.

ولك أن تتخيل معي عزيزي القارئ: مشهد ذلك الطالب الذي يدخل إلى قاعة الامتحان وهو يحمل في يمينه قلماً يرتجف في يده ، وفي يساره كتاب المادة الحالية التي يرجو الفكاك منها ثم يخرج من القاعة متصبباً عرقاً، ينتظر في فناء المدرسة متلهفاً إلى ظهور نتيجته التي تنبئه بمصيره وتحدد وجهته في الحياة. وفجأة! بدلاً من أن تُسلّم له النتيجة، يُفاجأ بحقيبة مدرسية جديدة تهبط عليه كالصاعقة، وهي محشوة بكتب المرحلة القادمة ! وتعلن نفسها ضيفة ثقيلة قبل أن يُسدل الستار على العام الدراسي الحالي.

وأمام هذه النقلة التي تحدت قوانين الطبيعة والفيزياء يقف أولياء الأمور، حائرين مذهولين من هذا القرار الذي سيجعلهم في حيرة من أمرهم فهم لا يدرون هل يفرحون بانتهاء العام الدراسي الحالي الذي مر كمرور السلحفاة ؟! أم يفرحون بنجاح فلذات أكبادهم بعد رحلة عام دراسي شاق وطويل ، ام يبدأون من الآن في البحث والتفكير عن مكانٍ آمنٍ وسري لتخزين الكتب الجديدة؟! التي لا يعلمون هل ستقاوم عمليات الترتيب والنقل من غرفة إلى أخرى طوال شهرين قادمين؟! أم أن هذه الكتب ستضيع في غياهب النسيان بين تلك الغرف ومحتوياتها قبل أن تبدأ الدراسة مرة أخرى ! لا سيما وأن فترة الصيف يكثر فيها استقبال الزوار والانتقال من مدينة إلى أخرى بحسب ما يطرأ من تغيير في ظروف الأسر وأحوالهم .

وهنا وفي لحظة صمت مطبق ندرك أن هذا القرار حتى وإن كان نبيلاً في مقاصده، وغايته ومبرراته ، إلا أن من خطط له غاب عن باله أن عقل الطالب في نهاية العام يكون قد دخل رسمياً في طور وضع السبات والصيانة الصيفية، وأي كتاب يقع تحت يده في هذه الفترة لن يُفتح للقراءة، بل قد يستخدم في لحظة نسيان من طفل غير مدرك لعواقب الأفعال لقاعدة صحن بطيخ بارد يطفئ العطش ، أو كمروحة يدوية تقاوم لهيب الصيف، أو ربما ضاع في غياهب النسيان بين محتويات البيت قبل أن تبدأ الدراسة للعام القادم !

وخزة قلم:
المعرفة لا تُقاس بسرعة التوزيع، بل بعمق الفهم والاستيعاب.

عبدالرحمن العامري

تربوي - كاتب صحفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى