المقالات

العين حق.. كيف نمنع كلماتنا وعدساتنا من أن تتحول إلى سهام قاتلة؟

بقلم – صالح مطر الغامدي

في عالم تسارعت فيه خطى الحياة ، وأصبحت تفاصيلنا اليومية مشاعاً للنظر عبر منصات التواصل الاجتماعي ، غفل الكثير منا عن حقيقة غائبة حاضر أثرها ، حقيقة أكدتها الشريعة وتوارثتها الأجيال: “العين حق”.
إن الإعجاب بالجمال والنعم أمر فطري ، لكن الخطورة تكمن في تلك اللحظة التي يرى فيها الإنسان ما يعجبه ، فتنطلق نظراته أو كلماته مجردة من ذكر الله ، لتتحول بقصد أو دون قصد إلى سهم يصيب الاستقرار والصحة والبركة.
لقد تجاوزت العين مفهوم النظرة المباشرة في زماننا هذا ، فكثير من الناس اليوم يستسهلون الحديث عن نعمهم أو نعم غيرهم بإسهاب ، أو يفرطون في تصوير أدق تفاصيل حياتهم وحياة أطفالهم ونشرها على العلن ، هذا التصوير المستمر والحديث المستفيض يفتح أبواباً واسعة لإصابة الآخرين بالعين ، بل إن الضرر قد يقع بإعجاب عابر من خلف شاشة هاتف يهمل صاحبه ذكر الله وتبريك النعمة .
والصدمة الأكبر التي قد يغفل عنها البعض هي أن الإنسان قد يحسد نفسه أو أقرب الناس إليه ، فكم من أب أو أم أطلق نظرة إعجاب بذكاء ابنه أو جمال ابنته دون أن يبرّك، فكان سبباً في مرضه أو تعثره ، وكم من أخ حسد أخاه، أو أخت أصابت أختها بالعين دون وعي ، إن الحب الشديد لا يمنع العين ، بل قد يكون دافعاً لتركيز النظر وإيقاع الأذى إن لم يُحصّن بذكر الله .
والشريعة الإسلامية لم تترك مجالاً للشك في خطورة هذا الأمر ، فقد ورد في السنة النبوية المطهرة إثبات قاطع لأضرار العين قال صلى الله عليه وسلم: «العَيْنُ حَقٌّ، ولو كانَ شيءٌ سابَقَ القَدَرَ سَبَقَتْهُ العَيْنُ» (رواه مسلم). وفي حديث آخر يبيّن مدى فتكها، قال عليه الصلاة والسلام: «العينُ تُدْخِلُ الرجلَ القبرَ، وتُدْخِلُ الجملَ القِدْرَ» (صححه الألباني). وهي إشارة واضحة إلى أن أثر العين قد يصل إلى إنهاء حياة الإنسان وتدميره تماماً .
إن مواجهة هذا الخطر لا تعني الانكفاء على الذات أو العيش في جلباب الخوف والشك، بل تعني تبني سلوك وقائي بسيط وعظيم الأثر ، إن علينا أن نعود السنتنا على التبريك وأن نجعل من كلماتنا حصناً لغيرنا ، فكلما رأيت ما يلفت انتباهك أو يعجبك في نفسك، أو مالك أو أبنائك أو حتى لدى الآخرين ، سارع بالوقاية بما شاء الله تبارك الله ، أو اللهم بارك له فيه ، وعود نفسك وأهل بيتك على أذكار الصباح والمساء، وقراءة المعوذتين وآية الكرسي ، فهي الدرع الحصين والملجأ الآمن من كل عين حاسدة أو معجبة .
إن علينا الابتعاد عن مشاركة كل تفاصيل النعم على منصات التواصل ، فالكتمان أحياناً يكون سوراً يحمي حياتنا واستقرارنا .
وأخيراً فإن تعويد النفس على ذكر الله عند رؤية النعم ليس مجرد أدب نبوي فحسب ، بل هو وعي مجتمعي ، وحماية أخلاقية تضمن بها ألا تكون بعلمك أو بجهلك سبباً في هدم حياة شخص تحبه ، أو زوال نعمة تمنيت دوامها .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى