بقلم – د. علي محمد الحازمي
المراقب عن كثب يجد بأنه لم تعد إدارة التغيير في العصر الراهن مجرد أداة إدارية تستخدمها المنظمات لتجاوز مقاومة الموظفين أو لتمرير قرار تنظيمي جديد، حيث غدت فلسفة حوكمة راسخة تقوم على قاعدة مزدوجة قوامها التمكين بوصفه استثماراً عميقاً في رأس المال البشري، والتطوير بوصفه ضمانة للاستدامة والاستمرارية. وفي المملكة، أصبح هذا التحول بجلاء في إطلاق رؤية المملكة 2030 في الخامس والعشرين من أبريل لعام 2016م، بقيادة سيدي سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله -. فقد جاءت الرؤية مسار راسخ ورصين نحو طريق لمرحلة تحول وطني شامل، تؤسس لتمكين الإنسان وتطوير المنظمات واستدامة الموارد بجميع مجالاتها ومنها البشرية. وتحت قيادة رشيدة متمثلة في خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمين – حفظهما الله -، حيث برز نموذج القائد التمكيني الذي لا يكتفي بفرض التغيير من القمة، حيث يصنع بيئة حاضنة له، تمنح الأفراد والمنظمات الصلاحية والمعرفة والأدوات ليكونوا شركاء نجاح في صناعة المستقبل. وفي مقالنا هذا سوف نسعى إلى تفكيك العلاقة العضوية بين إدارة التغيير واستدامة التمكين والتطوير من خلال تجربة المملكة 2030، مستنداً إلى شواهد وإحصاءات رسمية…
ينطلق الحديث عن إدارة التغيير من إدراك أن معظم مبادرات التحول تتعثر بسبب غياب تبني الإنسان للتغيير. وقد أظهرت دراسات معهد إدارة المشاريع أن نسبة كبيرة من المبادرات تفشل لهذا السبب الجوهري، مما دفع الفكر الإداري إلى الانتقال من النماذج الكلاسيكية التي تركز على التجميد والتغيير وإعادة التجميد، إلى نماذج أكثر ديناميكية تركز على خلق جيش من المتطوعين للتغيير. وهنا يبرز مفهوم التمكين المستدام، وهو ذلك المنح الفعلي للفرد من سلطة وكفاءة وثقة تجعله صانع قرار لا مجرد منفذ للأوامر. وعندما يتحقق هذا التمكين، تصبح المنظمة قادرة على التعلم والتطور المستمر، فلا تتوقف عند مشروع تحول بعينه، حيث تكتسب القدرة على إعادة اختراع ذاتها باستمرار. ويختلف القائد التمكيني عن القائد التحويلي في أن معيار نجاحه لا يقاس بما أنجزه بنفسه، يقاس بعدد القادة الذين صنعهم من داخل فريقه، وهذا هو النموذج الذي جسدته قيادة رؤية 2030 في إدارة ملف التحول الوطني.
وقد حولت رؤية المملكة 2030 التغيير من كونه مشروعاً حكومياً مغلقاً إلى حراك مجتمعي واسع عبر مسارات متعددة. فعلى مستوى تمكين المرأة والشباب، شهدت المملكة نقلة نوعية تمثلت في ارتفاع مشاركة المرأة في سوق العمل من 17.4 بالمئة في عام 2017م إلى 35.6 بالمئة في الربع الرابع من عام 2023م، وهو رقم تجاوز مستهدف الرؤية البالغ 30 بالمئة قبل موعده بسبع سنوات كاملة. كما انخفض معدل البطالة الإجمالي إلى 7.7 بالمئة في عام 2023م، وهو الأدنى في تاريخ المملكة. وقد أسهمت برامج وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية مثل دعم التوظيف وبرنامج قرة في تمكين مئات الآلاف من النساء من دخول سوق العمل بمرونة ويسر.
أما على صعيد تمكين القطاع الخاص وريادة الأعمال، فقد ارتفعت مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي غير النفطي إلى 50 بالمئة في عام 2023م مقارنة بـ 40 بالمئة في عام 2016م. وتجاوز عدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة 1.3 مليون منشأة بنهاية عام 2023م، وذلك بعد إطلاق بنك المنشآت الصغيرة وبرنامج منشآت. ولم يقتصر دور صندوق الاستثمارات العامة على كونه مستثمراً سيادياً، حيث تحول إلى ممكن فعلي لثلاثة عشر قطاعاً واعداً، وخلق أكثر من مليون ومئة ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة حتى عام 2023م.
وعلى مستوى التمكين الرقمي والثقافي، احتلت المملكة المركز الثاني عالمياً في مؤشر نضج الخدمات الحكومية الإلكترونية لعام 2024 الصادر عن الأمم المتحدة. وقد تجاوز عدد مستخدمي منصة أبشر خمسة وعشرين مليون مستخدم، كما قلصت منصات مثل مساند وقوى الإجراءات من أسابيع إلى دقائق، مما أزال واحدة من أبرز صور مقاومة التغيير المتمثلة في البيروقراطية. وفي الجانب الثقافي، استثمرت المملكة أكثر من أربعة وستين مليار ريال في القطاع الثقافي، وارتفع عدد زيارات الفعاليات الثقافية والترفيهية من ثلاثة ملايين في عام 2016م إلى أكثر من مئة مليون زيارة في عام 2023م، وهذا رقم كبير بكل المقاييس الاستراتيجية.
ويمكن قراءة نموذج القائد التمكيني في شخص سيدي سمو الأمير محمد بن سلمان -!حفظه الله – من خلال ثلاث ممارسات رئيسة. الأولى تتمثل في تفويض السلطة وبناء الثقة من خلال إنشاء ثلاثة عشر برنامجاً لتحقيق الرؤية، ومنح كل وزير صلاحيات ومؤشرات أداء واضحة مع متابعة ربع سنوية، مما حول الوزارات من جهات تنفيذ إلى مالكين حقيين للتغيير. والثانية تتمثل في كسر الهيكلة التنظيمية عبر قرارات استراتيجية مثل تمكين المرأة من القيادة، وفتح القطاعات أمام الاستثمار الأجنبي، وإطلاق مشاريع كبرى مثل نيوم والقدية، والتي أوجدت أزمة إبداعية إيجابية دفعت المنظمات إلى التكيف والتطور. أما الممارسة الثالثة فهي التواصل المباشر مع الشباب ورواد الأعمال وخطاب الاعتماد عليهم، مما جعل المواطن والموظف يشعر أنه شريك نجاج في التغيير لا متلق له.
تؤكد تجربة المملكة أن استدامة إدارة التغيير لا تتحقق بالهياكل واللوائح وحدها، ولكن تتحقق عندما تتحول إلى ثقافة تمكين يرعاها قائد يؤمن أن الاستثمار الفعلي هو في الإنسان والمتمثل في الموارد البشرية وتنميتها عبر برنامج تطوير القدرات البشرية تحت مظلة رؤية المملكة 2030. فمنذ انعقاد الملتقى الإداري الثالث لإدارة التغيير في عام 2005م بعنوان “إدارة التغيير وتطوير العمل الإداري” بتظيم من الجمعية السعودية للإدارة، والذي احتضنته مدينة جدة وأقيم في فندق الهيلتون على مدى يومان بحضور نخبة من الخبراء والمتحدثين، وبرعاية أمير منطقة مكة المكرمة، الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز – رحمها الله -، ومن حسن حضي أنني كنت من المشاركين في هذا الملتقى الذي يسبق الزمن، والذي كان بذرة فكر تأسيسي، إلى إطلاق رؤية 2030 التي صارت شجرة وطن مثمرة، كان المسار واضحاً وثابتاً نحو تمكين المرأة والشباب والقطاع الخاص والحكومة نفسها بالبيانات والحوكمة. وبقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله كقائد تمكيني، انتقلت المملكة من مرحلة إدارة التغيير إلى مرحلة صناعة التغيير. واستدامة التطوير لا تعني الوصول إلى نقطة النهاية، حيث تعني ببناء نظام قادر على ألا يتوقف عن التطور أبداً. فالمملكة تدرك دومًا بأن مواكبة المستجدات العلمية تتطلب تطوير وإدارة تغيير متمكنه يديرها شعبها المخلص نحو الاستدامة المدروسة من الناحية الاستراتيجية.
المصادر والمراجع:
الهيئة العامة للإحصاء. (2024). نشرة سوق العمل للربع الرابع 2023م الرياض: GASTAT.
https://www.stats.gov.sa
وزارة الاقتصاد والتخطيط. (2024). (تقرير برنامج تحقيق رؤية المملكة 2030). الرياض: وزارة الاقتصاد والتخطيط.
https://www.vision2030.gov.sa
United Nations. (2024). E-Government Survey 2024: Accelerating Digital Transformation for Sustainable Development_. New York: UN Department of Economic and Social Affairs.
Kotter, J. P. (2012). Leading Change. Boston, MA: Harvard Business Review Press.
Project Management Institute. (2021). Pulse of the Profession 2021: Beyond Agility. Newtown Square, PA: PMI.






