المقالات

الأسطورة في الخطاب الشعري.. (أساطير الحب)

توظيف الأسطورة في النص الشعري العربي المعاصر مسألة في غاية الأهمية، فما من شاعر عربي معاصر إلا ويستخدم الأسطورة في أعماله.
وتعد الأسطورة ظاهرة إنسانية عامة يلاحظ المرء وجودها في معظم الثقافات قديماً وحديثاً، ويمكن أن يقال:” إن الذاكرة الإنسانية هي أهم الأساطير التي عاشتها الإنسانية منذ القدم إلى عصرنا هذا، بل لعلها في إطار هذه الحضارة ” المعاصرة” أكثر فاعلية ونشاطاً منها في عصور مضت”، ومن ثم فهي تعني تلك المادة التراثية التي صيغت من عصور الإنسانية الأولى، عبّر بها الإنسان عن فكره ومشاعره تجاه الوجود فاختلط فيها الواقع بالخيال، وامتزجت معطيات الحواس والفكر واللاشعور واتحد المكان…
وتاريخياً، تعد الأسطورة ملاذ الإنسان الأول للانتصار على خيباته ولتخطي مواجعه، وسياسياً كانت محاولة لخلق بديل جديد أكثر إشراقاً وجمالاً، إنها النافذة التي يرى الإنسان من خلالها النور والفرح، لأنها تخلق له حالة توازن نفسي مع محيطه ومجتمعه، وبواسطتها تتم عملية الحلم والتخيل والاستذكار، إنها لغة البدء ولغة الشعر وقد اقترنت الأسطورة بالفن، لأن النشاط الفني هو تعبير عن رغبة لم يجد لها الإنسان تلبية في عالم الواقع، فانصرف يبحث عنها في عالم الخيال فكانت الأسطورة.
وللأسطورة علاقة بالدين والشعر كلاهما؛ حيث يُعدّ البعض الدين السبيل المباشر للأسطورة وابنها الشرعي الذي شق لنفسه طريقاً مستقلاً بعد أن أتقن عن الأسطورة ذلك التناوب بين التصريح والتلميح بين الدلالة والإشارة٫ بين المقولة والشطحة…أما الشعر فجزء لا يتجزأ عن الأسطورة، كما أنها جزء من التراث الإنساني، فمنهم من يصنفها مضمناً التاريخ والدين ضمن الأسطورة.
كما أنها – الأسطورة – جزء من التاريخ ومصدر من مصادره يقول وديع بشور: ” وعلى كل حال ستبقى الأسطورة أحد مصادر الاستدلال في البحث التاريخي وإن لم تكن هي التاريخ”.
وبالرغم من التحليلات الاجتماعية التي تؤكد أن اللجوء إلى الفكر الأسطوري هو هروب من مواجهة الواقع ودعوة لسيادة الظلم ودعوة إلى إلغاء العقل، ” لطم يبقى الفكر الأسطوري القائم على أساس غيبي له منطقه المختلف تماماً عن منطق الفكر الموضوعي. والأسطورة تنزع دائماً إلى إضفاء صفات قدسية غامضة على مواضيعها وأشيائها وأشخاصها ولا شك أن للأسطورة مستلزمات غيبية تستند إليها في الواقع، وتنعكس بواسطتها على المجتمع وعلى السلوك السياسي، الطبقي فيه.
وبالرغم من هذه التحليلات فإن الأسطورة فكرٌ وفنٌ وتاريخ وهي تشكل خطاباً يمكن أن يقال عنه إنّه أدبي يتناص مع التاريخ والميثولوجيا. ومما يجعل الأسطورة خطاباً أدبياً قدرتها على توسيع آفاق المخيلة عن طريق الحلم والتخيل. وكذلك الأدب في بنيته العميقة نظام رمزي قادر على الإيحاء والتأويل، ومن ثم الكشف عن اللا إنساني واللا أخلاقي في رؤية المجتمعات البشرية ونظام قيمها.
إن اللجوء إلى الأسطورة في الفكر العربي المعاصر هو استحضار للبطولة الغائبة وحنين لها وتوق لزمن نظيف، وتاريخ غير ملوث بالطغاة والظلمة.
كذلك فإن توليد الأسطورة وخلقها٫ وإعادة صياغتها عملية جمالية، تهدف إلى البحث عن عالم جميل ومضيء لم تقتله بعد إيديولوجيا السلطة، سلطة السلطة، وسلطة الكلمة، وسلطة المجتمع…
وقبل أن يكون توظيف الأسطورة في النّص الشعري العربي المعاصر عودة إلى التراث والميثولوجيا، فإنّه رؤية تستمد مكوناتها من الواقع، واتجاهات هذا الواقع ورؤاه…إن بنية الخطاب الشعري العربي المعاصر لا تعني الانقطاع عن التراث، فقد أثر التراث في تشكيل هذه البنية، ولا يزال يؤثر بدرجات متفاوتة، من شاعر إلى آخر.
أن استخدام الأسطورة – وهي جزء من التراث – في الشعر عودة حقيقية إلى المنابع البكر للتجربة الإنسانية، ومحاولة التعبير عن الإنسان بوسائل عذراء لم يمتهنها الاستعمال اليومي، فتخفي الألفة ما تخفيه من إيحاء، وإذا نظرنا إلى أعظم الأعمال الشعرية في الأدب الغربي، وجدناها تنبع من الأساطير… تقتصها أو تستخدمها، أو تطور رموزها على نحو أو آخر.
أما منبع الأسطورة في الشعر العربي المعاصر فروافده متنوعة؛ حيث لجأ الشعراء إلى الأساطير اليونانية والفينيقية، والآشورية، والبابلية، والفرعونية والعربية كذلك.
تعامل الشعراء الغربيون مع الأسطورة، ووظفوها في أشعارهم، وفسروا من خلالها أزمة الإنسان
الحديث، كما تعامل الشعراء العرب المعاصرون أيضاً معها، وعبروا من خلالها عن الواقع العربي وما اكتنفه من أزمات ونكسات، وطالت الأسطورة كذلك خطاب الحب في الشعر فوظفوها بوصفها رؤية رمزية يثري بها الشاعر بناءه الشعري، وهذا ما أكده إحسان عباس حين اعتبر وجودها فيه ليس إلا محاكاة وتقليداً لما كان في الشعر الغربي.
كان للأديب (ت.س. إليوت) الدور البالغ في تجربة الشعر الحديثة ويعد جزءاً من عملية المثاقفة، والمقصود بالمثاقفة استحواذ الفرد أو جماعة على خصائص حضارية من خلال الاتصال الثقافي المباشر والتفاعل الذي يتبعه خصوصاً في قصيدته ” الأرض اليباب” فأدى هذا التأثر بإليوت والشعر الغربي عامة إلى حضور العديد من الأساطير في الشعر العربي، حتى أجمع النقاد على اعتباره شعر أسطورة بالمقام الأول، كما عبر عن ذلك “عز الدين إسماعيل” حين قال: ” أصبحت الصلة وثيقة بالأساطير الغربية، وكأنها جزء من كيان الشاعر العربي”.
وقد استعان الشعراء بالأسطورة في خطابهم الشعري، إما للتعبير عن كلية التجربة التي تتخطى الزمان والمكان، وإما لوصف غياب الأشياء والمظاهر. كما أن الأسطورة تحول الفكرة المعنوية إلى المادية المحسوسة، أي تحول الذهنية إلى تجسيد؛ ذلك لعلاقتها بالخيال، وهو العنصر المشترك بين الأسطورة والشعر، من ذلك استدعاء إبراهيم مفتاح أسطورتا الحب والجمال في معرض حديثه عن محبوبته حين يقول:
ياحبيبي كلُّ شيءٍ حولنا

يتساما نشوةً مُنذُ رآنا
التقينا بعد ما الهجرُ قسا

وفرحنا بعد أن طالَ عنانا
فاغنم الحُسَّاد في غفلتِهم

ودعَّ المجلسَ يسمو بهوانا
ياحبيبي فرحةُ العمرِ هُنا

وهنا العمرُ الذي كان مُنانا
فدعّ الأنفسَ تسمو لوعةً

واترك القلبَ يُصلّي خفقانا
عاد “فينوس” إلى دولته

و”كيوبيد” من الغيب أتانا
ياحبيبي نحن لم نقنع بما

قد جنيناه ولم يبلغ رضانا
كلما فات لقانا مرةً

جدد الحّبُ نِداه ودعانا
نحن مازلنا عِطاشٌ كلما

ملأ الكأسَ هوانا وسقانا
فينوس وكيوبد آلهتا الحب ترمز الأولى منهما إلى الحب والجمال والخصب والرخاء وتوظيفهما هنا رمز إلى الحب الذي جمع الشاعر بمحبوبته، وجمال هذه المحبوبة وانتصار الحب بعودة فينوس وكيوبد وهم حسب الأسطورة آلهة الحب ابن فينوس الطفل ذو الجمال حامل السهام الذي عُرف بها وبأن من يصيبه سهم كيوبد يقع في الحب وتوظيفه هنا إشارة إلى تجدد الحب ووقوع الشاعر فيه مرة بعد أخرى في كل لقاء يجمعه بالمحبوبة بعد غياب.
وإذا كنا نتحدث عن الحب وخطاب الحب في الشعر لابد أن تحضر عشتار آلهة الحب ورمز الجمال والخصب لترعى المحبوبة وتمنحها دفئاً ورقة حين يقول محمد مسير:
فرعاء فوَّفها العقيق وعسجدت
أحضانها بالدفء عشتاروت
هيفاء غصنها البان متهم بها
حيث أسطرة الحب والمحبوبة باستدعاء عشتار، ثم يكمل مستدعياً فينوس وأفروديت في أسطرةٍ لجسد المحبوبة حين قامتا برعايته حتى تشكلت آية حسن وجمال:
جسد تبرعم في الحرير بعطره
ورعته فينوس وأفروديت
طافت فراشات الحقول بدوحه
فكأن حماه اللظى الموقوت
نبِّئ راوة الشعر عن مواله
فالشعر فيه مُجسد منحوت
هل أنجبته الإنس؟ كلا إنما
هو آية أوحى بها الملكوت
لقد ساهمت أساطير الحب الإغريقية في أسطرة الحب والمحبوبة وأدت دوراً رئيساً في ذلك، ولا يقتصر توظيف الأسطورة في خطاب الحب الشعري على الأساطير الغربية فقط؛ بل يمتد إلى الأساطير العربية، فيعمد إليها الشاعر مستحضراً من خلالها جماليات خاصة وصور مختلفة باختلاف تلك الأساطير كالعنقاء ووادي عبقر وغيرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى