تختزل العبارة العربية الشائعة (لكل مقام مقال)فكرة عميقة مفادها أن ملاءمة القول والسلوك لا تُقاس بمعزل عن السياق الذي تقعان فيه. فالكلمة المناسبة في موقف قد لا تكون مناسبة في موقف آخر، كما أن السلوك المقبول في سياق معين قد يُنظر إليه على نحو مختلف في سياق مغاير.
وتلتقي هذه الفكرة مع أحد المفاهيم الأساسية في اللسانيات الاجتماعية الحديثة، وهو مفهوم السجل اللغوي (Register)، الذي يشير إلى تغيّر أنماط التعبير تبعًا للسياق الاجتماعي. فالمتحدث(لا شعوريا) لا يستخدم اللغة بالطريقة نفسها في جميع المواقف؛ إذ تتغير المفردات والتراكيب ودرجة الرسمية وفق طبيعة الموقف والعلاقة بين المتخاطبين والغرض من الخطاب. فمثلا، تختلف اللغة المستخدمة في اجتماع رسمي عن تلك التي تُستعمل في حديث عائلي أو لقاء ودي مع صديق، رغم أن المتحدث واحد.
غير أن عبارة «لكل مقام مقال» تنطوي على معنى أوسع من السجل اللغوي بمفهومه الاصطلاحي، فهي لا تتعلق باختيار الألفاظ فحسب، بل تعكس تصورا يرى أن المقام ينظم أشكال التفاعل الاجتماعي كلها. فالسياق يؤثر في نبرة الصوت، وحدود المزاح، وطرائق إظهار المشاعر، كما يؤثر في اختيار الكلمات نفسها. ولهذا قد يختلف الحكم على الفعل ذاته باختلاف المقام الذي يقع فيه.
ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى السجل اللغوي بوصفه أحد (تفرعات) مراعاة المقام الثقافي العربي في المجال اللغوي. فبينما يصف السجل اللغوي الكيفية التي تتكيف بها اللغة مع الظروف الاجتماعية، يمتد مفهوم المقام إلى نطاق أوسع يشمل أنماط السلوك والتواصل عموما.
ولعل هذا التقاطع يفسر جانبا من سهولة شرح مفهوم السجل اللغوي لطلابنا في اللغويات التطبيقية. فحين نعرض هذا المفهوم في قاعات الدرس، لا يبدو غريبا عن خبرة وخلفية الطلاب الثقافية، إذ إن جوهره قائم على فكرة مألوفة عبّرت عنها ثقافتهم العربية منذ زمن طويل بعبارة (لكل مقام مقال) وبالتالي فهم يستوعبون الفكرة العامة للمفهوم بسهولة، لأنهم يدركون(حدسيا) intuitively أن طريقة الكلام تتغير بتغير المقام، حتى قبل التعرف إلى المصطلح اللساني الحديث الذي يصف هذه الظاهرة.
وبالرغم من اختلاف الخلفية العلمية للسجل اللغوي عن الخلفية الثقافية والبلاغية لعبارة «لكل مقام مقال»، فإن كليهما يلفت الانتباه إلى حقيقة واحدة: أن الأقوال والأفعال لا تفهم فهما كاملا إلا في ضوء السياق الذي تمارس فيه. ولعل هذا ما يفسر استمرار حضور هذه العبارة في الثقافة العربية وقدرتها على التعبير عن مبدأ يتجاوز البلاغة إلى فهم أوسع للتواصل الإنساني والعلاقات الاجتماعية.
• أكاديمي متخصص في اللغويات التطبيقية الإنجليزية.

