المقالات

هدم “الخراب” وحل النادي الاهلي

الحلقة 4

لا أخفي سراً إن قلت إنني كنت أخرج من كل لقاء يجمعني بالأمير عبدالله الفيصل – يرحمه الله – وأنا أشعر أنني عدت محملاً بمكاسب أكبر مما كنت أتوقع.. مكاسب صحفية أضافت إلى تجربتي الكثير، ومكاسب إنسانية وشخصية تركت في داخلي أثراً لا يُمحى.
فالجلوس بالقرب من هذا الرمز كان في حد ذاته فرصة ثمينة للتعرف عن قرب على شخصية استثنائية جمعت بين الهيبة والبساطة، وبين المكانة الرفيعة والتواضع اللافت.. ومن جانبي كنت أرى أمامي رجلاً لا يحتاج إلى مقدمات ليكشف حضوره عن نفسه فالكاريزما التي يمتلكها، وسرعة بديهته، وحنكته في قراءة المواقف، وغزارة معرفته، واتساع إدراكه، كلها صفات كانت تظهر في أبسط أحاديثه وأكثرها عفوية.
أما المجلس نفسه فكان يحمل روح صاحبه.. صغيراً في مساحته، لكنه كبير في دلالته.. أثاثه فخم وأنيق يعكس ذوقاً رفيعاً لا يعرف المبالغة، وعدد الأرائك فيه محدود جداً، وكأن المكان صُمم بعناية ليحتفظ بحميميته، فلا يكون مجلس استقبال عام، بل مساحة خاصة لا يدخلها إلا من تربطه بالأمير علاقة قرب أو لقاء له خصوصيته.. ومع بساطة المكان وهدوء أجوائه كانت هناك تفاصيل صغيرة تمنحه هيبة خاصة.. رائحة الهيل المنبعثة من دلة القهوة كانت تمتزج بدخان العود الذي يتبخر به الأمير وضيوفه، فيضفي على المجلس روحاً تجمع الوقار والدفء، والبساطة والفخامة في آن واحد.

• الصحف تؤكد رواية “الفيصل”

بعد خروجي من المجلس في اللقاء الثاني، ركبت سيارتي وأنا أحمل معي الورقة التي دوّنت فيها تفاصيل ما رواه لي الأمير عبدالله الفيصل – رحمه الله – عن حادثة “حل نادي الاتحاد”.. تلك الحادثة التي أصدر فيها سموه قرار الحل، ثم عاد وألغاه بعد أن اعتذر الاتحاديون له، والتزموا بالشروط الثلاثة التي وضعها لعدم تنفيذ القرار.
وعندما أعدت قراءة تفاصيل الحادثة من خلال ما نشرته بعض الصحف الصادرة في تلك الفترة وجدتها تتفق تماماً مع ما قاله الأمير عبدالله في إجابته الصريحة لكن الصحف نشرت تفاصيل أكثر فيها متابعة دقيقة لتسلسل الأحداث تؤكد أن قرار حل نادي الاتحاد صدر فعلاً لكنه لم يُنفّذ على أرض الواقع، ولعلي أقتبس هنا – بايجاز شديد – ما رصده الباحث التاريخي محمد الحربي لما نشرته الصحف في تلك الفترة حيث جاء كالتالي:
بعد احتجاج الاتحاد على مشاركة لاعب الثغر “عبد الخير” كلاعب غير سعودي في بطولة كأس ولي العهد، وما صاحبها من جدل رياضي، بدأت أحداث الموسم الجديد بإعلان انطلاق الدوري العام، حيث كان مقرراً أن يواجه الاتحاد نادي الشبيبة في أولى المباريات. إلا أنه في اليوم التالي صدر تعميم إدارة الشؤون الرياضية المتضمن حل نادي الاتحاد، مما أدى إلى اضطراب جدول المنافسات.
لكن ما حدث لاحقاً يؤكد أن الحل لم يُنفذ، إذ لم تستمر إجراءات إلغاء النادي أو إنهاء مشاركته، بل انسحب نادي الشبيبة كما انسحب الأولمبي سابقاً، وأصبح عدد أندية الدرجة الأولى المشاركة محدوداً، ثم عادت الأمور إلى مسارها الطبيعي خلال أيام قليلة فقط.
وفي 12 صفر 1378هـ أُعلن استئناف مباريات الدوري بإقامة لقاء الوحدة والأولمبي، ثم بعد ذلك بأيام أُعلن عن مباراة الاتحاد والثغر التي أقيمت فعلاً وانتهت بفوز الاتحاد 4/1، وهو ما يثبت مشاركة النادي في المنافسات واستمراره ككيان رياضي قائم.
وعليه فإن ما تشير إليه الوثائق الصحفية وتسلسل الأحداث أن قرار الحل كان قراراً صدر في إطار أزمة تنظيمية، لكنه لم يتحول إلى واقع عملي، إذ عاد الاتحاد سريعاً إلى المشاركة، واستمر في مسيرته الرياضية دون أن يتم تنفيذ قرار الحل فعلياً.. أما ما نُشر لاحقاً عن “حل النادي” في صحيفة “عرفات” بتاريخ 1 ربيع الأول 1378هـ، فقد جاء بعد انتهاء الأزمة وعودة الاتحاد للمنافسات، مما يجعله خبراً متأخراً لا يعكس حدوث حل نهائي للنادي.

• هدم “الخراب” وحل الأهلي

ورغم أن تلك الأزمة انتهت بسلام، ونجا الاتحاد من قرار “الحل” بعد تصحيح المسار، فإن فكرة حل النادي عادت للظهور مرة أخرى بعد سنوات، ولكن هذه المرة في سياق مختلف، عندما طرحها الأمير عبدالله الفيصل في معرض إجابته عن سؤال في حوار صحفي نشرته “عكاظ” حول الوضع المتدهور الذي وصل إليه نادي الاتحاد في أواخر الثمانينات ومطلع التسعينيات الهجرية، وما شهده من تخبط إداري وفني انعكس على مسيرته حتى عرفت تلك المرحلة بالسنوات العجاف.
كان سموه واضحاً وصريحاً عندما قال إنه يرى ضرورة هدم النادي وبنائه من جديد.. وعندما سأله الصحفي عن المقصود بعبارة “هدم النادي”، أجاب الأمير عبدالله الفيصل فقال:
– أقصد هدم هذا الكيان “الخراب” الذي لا يفيد فيه الترقيع والبداية به من جديد”.
لم تكن هذه العبارة مجرد انفعال لحظة أو حكم عاطفي، بل كانت تعكس فلسفة إدارية عميقة لدى الأمير، تقوم على أن بعض الكيانات عندما تصل إلى مرحلة متقدمة من الخلل تصبح محاولات الإصلاح الجزئي مجرد تأجيل للمشكلة، وأن الترقيع لا يعيد بناء مؤسسة فقدت مقومات نجاحها.
ولهذا لم يتوقف سموه عند طرح الفكرة، بل دعمها بمثال واقعي عاشته الرياضة السعودية، وهو تجربة “حل النادي الأهلي” وإعادة تأسيسه من جديد، حيث قال:
“- لقد حصل هذا سابقاً للنادي الأهلي عندما تم حله وبدأ إنشاؤه من جديد ولم تكن نتيجة الحل سيئة حيث عاد الفريق الكروي بأحد عشر لاعباً فقط لم يسبق لأي أحد منهم تمثيل الفريق الأول في أي نادي وكانت نتائج الأهلي في أول سنة بعد فترة الحل حسنة والدليل أنه وصل للمباراة النهائية على كأس الملك عام 1382هـ وفاز بها”.
وهنا تظهر أهمية استشهاد الأمير بهذه التجربة تحديداً، فلم يكن يتحدث عن فكرة نظرية أو قرار افتراضي، بل كان يستند إلى تجربة حيّة أمامه أثبتت أن الحل في بعض الظروف قد يكون بداية ميلاد جديد، وليس نهاية للتاريخ.
فالنادي الأهلي الذي خضع لهذه التجربة وعاشها فعلا لم يعد من جديد ككيان ضعيف، بل خرج منها بصورة مختلفة، وبناء أكثر صلابة، ونجح خلال سنوات لاحقة في أن يصبح أحد أعمدة الرياضة السعودية.. وقد رأى الأمير عبدالله الفيصل في هذه التجربة دليلاً على أن إعادة البناء من الجذور قد تكون أحياناً أكثر فاعلية من محاولة إصلاح بناء تصدعت أساساته.
ولعل ارتباط الأمير عبدالله الفيصل بالنادي الأهلي – فيما بعد – جعل هذا المثال أكثر دلالة، فلم يكن مجرد متابع لتجربة الحل، بل كان صاحب مشروع رعاية واحتضان ودعم كبير لهذا النادي، حيث وضع بصماته في مسيرته، وأسهم في صناعة مرحلة تاريخية جعلت الأهلي أحد أبرز الأندية السعودية وأكثرها حضوراً وتأثيراً.
ومن هنا يمكن فهم رؤية الأمير عبدالله الفيصل – رحمه الله – تجاه فكرة حل النادي.. فقد كان يرى أن بعض الكيانات لا تحتاج إلى مسكنات مؤقتة، بل إلى عملية إعادة تأسيس تعيد لها هويتها وقيمتها، تماماً كما حدث مع الأهلي الذي اعتبره نموذجاً حياً على أن النهاية الظاهرة قد تكون في حقيقتها بداية جديدة.

صالح العمودي

كاتب ومفكر وأديب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى