في صدورنا كسعوديين ثوابت لا تهتز، وجذور تمتد في الأعماق، تظلّلها رايات الحب والولاء والانتماء، وتحت هذا الظل الوارف، نمضي جميعا قيادة وشعباً في دروب ترتجّ تحت وقع خطوات الرؤى السامية لصناعة أمجاد جديدة تُضاف إلى رصيد هذا الوطن الحبيب.
وإذا كانت مسيرة الرياضة السعودية اليوم تبدو شامخة ببنيانها، راسخة بمنجزاتها، فإن جذورها الأولى لم تُغرس إلا بأيدي رجال آمنوا بأن في الرياضة روح التحدي وشرف المنافسة ولذة الترفيه وأنها في منضومتها وكيانها الرسمي مشروع نهضوي، وصوت وطني، ومساحة تُصنع فيها القوة الناعمة..
تلك النخبة من الرجال حملوا الفكرة في زمن البدايات، وصاغوا لها الهوية، وأرسوا قواعدها في أرض طيبة خصبة مباركة تستجيب لكل من يزرع فيها بإخلاص وحب وشغف.
ويأتي صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله الفيصل – رحمه الله – في قلب تاريخنا وذاكرتنا الرياضية.. يقف شامخاً كجبل طويق في نجد وجبل رضوى في الحجاز ، رائداً لا يشبه إلا نفسه، ومؤسساً حمل على عاتقه حلم الرياضة السعودية قبل أن تعرف البلاد معنى الاتحادات واللجان والمقرات والملاعب والمسابقات المنظمة.
كان صاحب رؤية بعيدة، ورجل دولة، ورائداً منح الرياضة من قلبه وعقله وجهده وماله ما أرسى قواعدها ورفع بنيانها وجعلها جزءاً من ملامح الهوية الوطنية التي نفتخر بها.. ولما تحقق التأسيس الذي أراده وتأكد من انطلاقته ترجل الفارس عن صهوة جواده الرسمي وغرس “الراية” في زاوية التاريخ والتحدي ليحملها من بعده نخبة مميزة من الرجال الأوفياء الذين أكملوا المسيرة وصنعوا أمجاداً رياضية أخرى سطع بعضها تحت شمس العالمية.
( شرف اللقاء مع الرائد )
أكتب هذا وفي ذاكرتي الإعلامية تتداعى بعض الصور الجميلة من تلك النجاحات والبصمات البارزة في مشواري الصحفي الذي لم أحض فيه بمعاصرة مرحلة التأسيس التي سبقت ميلادي لكني واكبت مرحلة النهضة والتطور الرياضي وركضت في دروبها بشغف وفكر وعصامية من خلال مناصب قيادية في كبرى الصحف والمجلات تدرجت فيها من رئاسة القسم الرياضي إلى مدير التحرير وصولا إلى قمة الهرم القيادي الصحفي كرئيس للتحرير في صحيفة النادي ثم رئيس التحرير لمجلة “اقتصاد المملكة”، وما تخلل ذلك بالطبع من تمثيل المملكة كموفد صحفي أو ضمن الوفود الاعلامية في العديد من التظاهرات الرياضية والشبابية العربية والآسيوية والعالمية.. ولا أنسى أيضا الجانب البحثي والفكري الذي كانت لي فيه إصدارات ومؤلفات رياضية وثقافية وأدبية واجتماعية وفي مجالات أخرى متعددة وضعت فيها بصمات أزعم أنها كانت فاعلة وتركت أثراً يستحق الذكر.
هذه ومضة عابرة وددت بها الإشارة إلى ما ينبض في قلبي من مشاعر الفخر والاعتزاز بما خدمت به وطني على مدى نصف قرن، ومهما سقط من ذاكرتي “الستينية” من المنجزات والنجاحات التي وفقني الله لتحقيقها إلا أنني لا أنسى بعضها ما حييت وبالتحديد نقطة التحوّل وعلامة الامتياز الكبرى مع مرتبة الشرف عندما حظيت بالتعرف عن قرب على رائد الرياضة السعودية ومؤسس تنظيماتها الرسمية صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله الفيصل “يرحمه الله” وما تلى ذلك من لقاءات جمعتني به شخصياً التقطت فيها كنوزاً معرفية من ذاكرته الرياضية ثم جمعتها بعد ذلك في كتاب بعنوان “عبدالله الفيصل الرمز الذي عرفناه” .
ومن يعرف عبدالله الفيصل – يرحمه الله – كأمير ورجل دولة وشاعر ومثقف ومؤرخ وتاجر ورياضي وإنسان ووالد وأخ وعم وبقية المداخل والملامح في شخصيته يدرك ما قصدته بقولي “نقطة التحوّل” فقد كان لذلك السبق وتلك القفزة تأثيرا كبيرا على مداركي ومعلوماتي وثقافتي وأدبياتي وحتى على خطواتي في دروب الصحافة والاعلام، ويكفي أنني عرفت سموه على حقيقته واكتشفت أنني – قبل ذلك – لم أكن أعرفه كما هو فعلا وليس كما قرأت أو سمعت عنه.
* ( الاتجاه مباشرة إلى قصر الرمز )
وكما للرياضة قصة تأسيس فإن للنجاحات مواعيد يكتبها القدر وتحددها المشيئة.. قد تسبقها مقدمات تبشر بها، وقد تأتي فجأة “من غير ليه” كظل يلازمنا من حيث لا نشعر ثم تفضحه الشمس وتدفعه أمامنا فيتجسد بكامل أناقته.. ففي أواخر الثمانينات الميلادية كنت في الثلاثين من عمري حين كانت صحيفة “عكاظ” تقاسمني تفاصيل حياتي اليومية كرئيس للقسم الرياضي فيها لكن زحمة التعاطي الصحفي لم تحل بيني وبين سؤال ظل يراودني بين الحين والآخر وخاصة عندما تحقق الرياضة السعودية انجازا عربيا أو قاريا او عالميا سواء في كرة القدم او في غيرها من الألعاب المختلفة، كنت كمواطن سعودي – قبل الصحفي – أسعد بالإنجاز وأشعر بالفخر بأن سخر الله لهذا الوطن منذ تأسيسه وتوحيده على يد المغفور له الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه إلى العهد الزاهر الذي نعيشه اليوم قيادة تعلو بهامات الطموح فوق سحاب المجد لتكون السعودية العظمى حاضرة وبقوة تنافس وتتفوق وتبهر في كل المجالات.
قد يغيب ذلك السؤال الحائر فترات متباعدة ثم لا يلبث أن يقفز أمامي من جديد ويأخذني الى دهاليز التاريخ لأسأل: “كيف تأسست الرياضة السعودية، وما الذي فعله مؤسسها الامير عبدالله الفيصل عندما وضع حجر الأساس الاول في ملاعبها وأنديتها وكيف دارت عجلة التنظيم وما هي العقبات والأحداث التي أطلت برأسها في تلك المرحلة التاريخية”.
كنت مشغولا بهذه الأسئلة وغيرها من باب الفضول الصحفي وأبحث عن إجابات شافية تشبع نهمي لمعرفة القصة الحقيقية كما حدثت فعلا وليس كما تتجاذبها الروايات المتأرجحة في بعض الكتب وقصاصات الصحف الرياضية القديمة التي صدرت آنذاك.
ومن هذا التساؤل قدحت في رأسي الصحفي فكرة السير في “الاتجاه المباشر” إلى القمة إلى صانع التاريخ الرياضي، الى رائد ومؤسس الحركة الرياضة السعودية وباني نهضتها الامير عبدالله الفيصل – يرحمه الله – وكان حينها قد ترك المناصب الرسمية في الدولة كما ابتعد عن المجال الرياضي باستثناء رعايته ودعمه للنادي الأهلي والتبرع لغيره من الاندية أحيانا والمشاركة النادرة في بعض المناسبات الرياضية التي يُدعى لحضورها ورعايتها.
وزادني اصرارا على تنفيذ الفكرة هو بحثي في الكتب التي صدرت عن حياته وسيرته فلم أجد فيها اهتماما بمسيرته الرياضية يليق بقامته السامقة وبصمته التاريخية وإنجازاته الكبرى.. كان المؤلفون في تلك الكتب يمرون على سيرته الرياضية مرور الكرام ويركزون كثيراً على جوانب أخرى من حياته وخاصة ما نظمه من الشعر وما يلحق به من ضروب الثقافة والادب، وكنت اجد لهم العذر في ذلك فلم يكن بينهم من يملك الخلفية الرياضية التي تمكنه من التعمق في هذا الجانب وبالتالي لا يعيرونه الإهتمام الكافي والإضاءة المستحقة مع أنه ركن أساسي في سيرة وعبقرية الامير عبدالله الفيصل.
تلك الغفلة البحثية عن البصمة الرياضية الكبرى لهذا الرمز جعلت فكرة تدوين قصة التأسيس الرياضي تراودني مراراً وتكراراً وكأنها تدفعني للتحرك وأخذ زمام المبادرة، وساعد على ذلك قناعتي الشخصية وإيماني الراسخ بأن الصحفي والكاتب الذي لا يفكر في السبق المميز ولا يبتكر الخطوة الفاعلة ولا يبادر لتنفيذها سيبقى مكانه “في المدرج يتفرج” وهو الوضع الذي لم أتعوده ولا أرضى به، وتحت وطأة التحدي مع النفس قررت خوض المغامرة وبدأت أول خطوة في “الاتجاه المباشر” نحو الرمز والرائد.. نحو مؤسس الرياضة الأمير عبدالله الفيصل يرحمه الله.
كان لابد لي من هذا الاستهلال كمقدمة تنويرية وعتبة ضرورية قبل الدخول الفعلي إلى دهاليز التاريخ وفتح خزانة التأسيس الرياضي ليقف القارئ الكريم على منصة الرؤية الواضحة لهذه الحقائق المستقاة من ذاكرة مؤسس الرياضة شخصياً ومن شهادات بعض الأوفياء الذين أختارهم بنفسه كسواعد بناء شاركوه التأسيس والتنظيم والبناء.
وختاما.. وقبل كل شيء..
لست مؤرخاً رياضياً.. ولست من الراكظين خلف “الشو” في زمن “الرويبضة”.. ولا أحب الدخول في خندق “العداء والاستعداء” وأترفع عن إطلاق الرصاص “الطائش” في معارك “السوشيال ميديا”.. لكني من باب الأمانة أجتهد في تقصي الحقائق ونشرها “إذا لزم الأمر”.
ومن هذا المنطلق سأروي في هذه السلسلة من المقالات ما يندرج تحت “شهادة للتاريخ” نستكشف سوياً محاور هامة في قصة التأسيس وكيف وُلدت الفكرة، وكيف نمت، وكيف صارت الرياضة السعودية “قصة وطن” نفخر بتوثيقها ونسردها لجيل اليوم وتتوارثها الاجيال المقبلة.
وختاما.. أشكر الزميل عبدالله الزهراني رئيس تحرير هذه الصحيفة الغراء الذي دعاني لكتابة هذه الحلقات وأبدى من مهارة الاقناع ما جعلني أرضخ لطلبه وألبي الدعوة رغم ابتعادي عن الكتابة في المجال الرياضي، كما أن هناك بعض الزوايا المعتمة في تاريخنا الرياضي لم تنل حظها من الكشف وتبحث عن قبس من نور الحقيقة، وهناك أيضا قضايا يتم استهلاكها أحياناً بشيء من التعصب والتشويه أو حتى التزييف ولوي ذراع الحقيقة بما لا يخدم الذاكرة الرياضية لهذا الوطن الغالي.
وألقاكم في الحلقة المقبلة لنروي قصة التصريح التاريخي الذي فاجأني به الأمير عبدالله الفيصل عندما افتتحت اللقاء وسألته عن ميوله الرياضية فقال لي:” أنا اتحادي وأعشق الاتحاد”.



