المقالات

*وطنٌ أعطانا… فماذا أعطيناه؟*


في اليوم الوطني السعودي 96

بقلم: د. عقيل بن محمد الشيخي

رئيس مجلس إدارة جمعية البر الخيرية بدوقة (غراس)

في اليوم الوطني، تمتلئ الذاكرة بصور الوطن، وتزدحم اللغة بعبارات الحب والوفاء، غير أن سؤالًا يلحّ عليّ كلما أقبلت هذه المناسبة:
*ماذا أعطاني وطني؟ ثم ماذا أعطيته أنا؟*
أما الأولى، فالإجابة عنها أطول من أن تتسع لها مقالة؛ أعطاني وطنًا آمنًا، وهوية أعتز بها، وتعليمًا فتح لي أبواب المعرفة، ومجتمعًا تعلمت بين أهله قيم التكافل والمسؤولية، وفرصًا اتسعت معها مساحة الحلم والعمل.
*لكن السؤال الأجدر بالتأمل* ليس: ماذا أخذنا من الوطن؟ بل ماذا رددنا إليه من جميل؟
*بدأت حكايتي* مع خدمة الوطن من التعليم؛ دخلت المدرسة طالبًا أحمل كتبي وأحلامي، ثم دارت الأيام لأقف في مدارس الوطن معلّمًا، وأعمل في ميادين التوجيه والإرشاد والإشراف. وهناك أدركت أن بناء الأوطان يبدأ، في جانب كبير منه، من مقعد صغير يجلس عليه طالب، قد لا نعرف اليوم أيَّ أثر سيصنعه غدًا.
*علّمني التعليم* أن كلمةً تبني ثقة طالب قد تغيّر مسار حياته، وأن توجيه شاب في لحظة حيرة قد يفتح أمامه طريقًا لم يكن يراه. ومن هنا اتسع في داخلي معنى الوطن؛ فلم يعد مكانًا ننتمي إليه فحسب، بل أصبح إنسانًا نبنيه، وقيمةً نحفظها، وأمانةً نؤديها.
ثم قادتني الحياة إلى ميدان آخر: خدمة الإنسان.
في العمل الخيري والإغاثي رأيت الوطن في أسرة تبحث عمن يقف معها، وفي مريض يجد من يعينه، وفي شاب يبحث عن فرصة، وفي متطوع يهب شيئًا من وقته للآخرين. وهناك أدركت أن اليد التي تمتد إلى محتاج لا تعينه وحده، بل تضيف لبنةً في بناء وطن متراحم متماسك.
وعلّمتني التجربة أن العطاء لا ينبغي أن يتوقف عند الحاجة الآنية؛ فأن تساعد إنسانًا اليوم عمل كريم، وأن تعينه ليملك أسباب الاكتفاء غدًا صناعة أثر. ومن هنا تأتي قيمة الانتقال من الإغاثة إلى التنمية، ومن سدّ الحاجة إلى بناء القدرة، ومن المبادرة العابرة إلى العمل المؤسسي المستدام.
وفي العمل مع الشباب ازددت يقينًا بأن أثمن استثمارات الوطن هو الاستثمار في إنسانه؛ فكل شاب اكتشف قدرته، وكل موهبة وجدت من يحتضنها، وكل فكرة تحولت إلى مبادرة نافعة، هي مكسب قد يمتد أثره سنوات وأجيالًا.
وهكذا علمتني التجارب أن خدمة الوطن ليست بابًا واحدًا؛ فقد تكون في فصل دراسي، أو عمل خيري، أو مبادرة شبابية، أو مشروع تنموي، أو إصلاح بين الناس، أو فرصة عمل، أو فكرة صغيرة كبرت بالإخلاص حتى أصبحت أثرًا.
فليس المهم أين تقف في خريطة الوطن؛ المهم ماذا تصنع في المساحة التي تقف فيها.
وحين أنظر اليوم إلى المملكة، أرى وطنًا لا تتوقف منجزاته عند ما تحقق على أرضه، بل تمتد إلى ما يصنعه في إنسانه؛ علمًا وطموحًا وتمكينًا وقدرةً على المشاركة في صناعة المستقبل.
وفي ظل قيادتنا الرشيدة ، تشهد المملكة مرحلة تنموية اتسعت فيها مساحات العمل والمبادرة والعطاء، وأصبح الإنسان شريكًا أصيلًا في مسيرة التنمية.
وهنا يطل السؤال من جديد: *أين موقعنا نحن من هذه المسيرة؟*
لقد علمتني سنوات العمل أن أعمالًا نظنها صغيرة قد تكون في ميزان الوطن كبيرة: طالب ساعدته على تجاوز تعثره، وأسرة أسهمت في استقرارها، وشاب فتحت أمامه نافذة أمل، ومؤسسة أسهمت في بنائها لتبقى، وفكرة تحولت إلى منفعة يعيشها الناس.
كلها سطور صغيرة في سيرة وطن كبير.
وفي اليوم الوطني، نستعيد قصة التوحيد والبناء التي بدأها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، وتواصلت مسيرتها في عهود أبنائه الملوك من بعده، حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وما يشهده وطننا اليوم من نهضة وطموح نحو مستقبل أكثر ازدهارًا.
والوفاء لهذه المسيرة يكون بالمحافظة على مكتسباتها، والمشاركة في تنميتها، واستشعار مسؤوليتنا في أن يبقى البناء متصلًا بين جيل وجيل.
ولعل من أجمل ما نورثه أبناءنا أن نعلّمهم أن الوطنية ليست حديثًا عن الوطن بقدر ما هي عملٌ من أجله؛ إخلاصٌ يبنيه، وأمانةٌ تحفظه، وإتقانٌ يرفعه، ووعيٌ يصون أمنه ومكتسباته، واحترامٌ يليق بمجتمعه ونظامه.
واليوم، بعد رحلة بين التعليم والتوجيه والعمل الاجتماعي والخيري والتنموي والشبابي، أجد أن الوطن كان حاضرًا في كل تلك المحطات:
علّمني الوطن، ثم أتاح لي أن أعلّم أبناءه، وأعطاني، ثم فتح لي أبوابًا أردّ من خلالها بعض عطائه.
فكان التعليم رسالة، والعمل الخيري وفاءً، والتنمية مسؤولية، وخدمة الإنسان صورةً من صور الانتماء.
ولهذا، حين يأتي اليوم الوطني، لا أسأل وطني ماذا أعطاني؛ فقد أعطاني أكثر مما تختصره الكلمات. بل أسأل نفسي:
ماذا أعطيته؟ وماذا تركت على أرضه من أثر؟
لأن حب الوطن ليس أجمل ما نقوله عنه، وإنما أجمل ما نفعله من أجله.
وإذا كان لكل واحد منا أن يكتب سطرًا في حكاية هذا الوطن، فليكن علمًا ينفع، وإنسانًا يُمكَّن، ومحتاجًا يُعان، وشابًا يُلهم، ومؤسسةً تبقى، وأمانةً تؤدَّى.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها وعزها ورخاءها، وبارك في قيادتها وشعبها، وجعلنا ممن يتركون على أرضها أثرًا يليق بحبها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى